اﻟﻤﺴﺘﺠﺪاﺕ

التعليق على قرار محكمة النقض عدد 327 الصادر بتاريخ 13 أبريل 2017 في الملف الجنحي عدد 11507/6/11/2016

خالد أحربيل - باحث في العلوم القانونية - القانون الاجتماعي 2019-07-19 811

تتلخص وقائع القرار موضوع التعليق في أن النيابة العامة لدى المحكمة الابتدائية بتاوريرت تابعت المتهم المسمى "يحيى" من أجل جنحة الإمساك عمدا عن

تنفيذ حكم قاضي بالنفقة طبقا للفصل 480 من القانون الجنائي، ذلك أن المتهم لم ينفذ حكما قضى عليه بأداء مستحقات الزوجة بعد الطلاق المتمثلة في واجب المتعة وكالئ الصداق والنفقة خلال العدة وواجب السكن خلال العدة وغيرها حسب المادتين 83 و84 من مدونة الأسرة.
وعند إحالة ملف النازلة على غرفة الجنح الابتدائية قضت هذه الأخيرة ببراءة المتهم مما نسب إليه وتحميل الخزينة العامة الصائر، معللة حكمها بكون مستحقات الزوجة المتجلية في كالئ الصداق وأجرة الحضانة وتوسعة الأعياد والمتعة لا تصنف ضمن مشمولات النفقة المنصوص عليها في الفصل 480 من القانون الجنائي. واستأنفته النيابة العامة وأصدرت غرفة الجنح الاستئنافية بتاريخ 2014/12/10 قرارا صرحت فيه بتأييد الحكم الابتدائي فيما قضى به وتحميل الخزينة العامة الصائر.
وكان هذا القرار محل طعن بالنقض من طرف النيابة العامة بموجب عريضة للنقض تضمنت وسيلة وحيدة متخذة من خرق القانون ونقصان التعليل، ذلك أن الفصل 480 من القانون الجنائي يعاقب على الامتناع عن أداء النفقة بصفة عامة والتي يدخل في مفهومها مستحقات الزوجة عن الطلاق المتمثلة في واجب المتعة وكالئ الصداق والنفقة خلال العدة وواجب السكن خلال العدة وغيرها حسب المادة 83 من مدونة الأسرة.
وصدر القرار موضوع التعليق أعلاه ليحسم المسألة ليعتبر أن الفصل 480 من القانون الجنائي يعاقب على الامتناع عن أداء النفقة بصفة عامة، وأن ما تستحقه المطلقة حسب المادة 83 من مدونة الأسرة يشمل مؤخر الصداق إن وجد ونفقة وسكنى المطلقة خلال العدة والمتعة وغيرها، وأن المحكمة لما أيدت الحكم الابتدائي القاضي ببراءة طالب النقض من جنحة الإمساك عمدا عن أداء النفقة المحكوم بها للعلة أعلاه يكون قرارها مشوبا بعيب فساد التعليل وعرضة للنقض والإبطال.
من خلال ما سبق فإن الإشكال المحوري الذي نود مناقشته هو هل كانت محكمة النقض صائبة في توجهها هذا القائم على اعتبار الفصل 480 من القانون الجنائي يعاقب على عدم تنفيذ حكم قاضي بالنفقة بصفة عامة وأن المتعة وكالئ الصداق وأجرة الحضانة من مشتملات النفقة؟
سنناقش ما ذهب إليه هذا القرار من خلال نقطتين أساسيتين نسوقهما كالآتي:
أولا: تدقيق مفهوم النفقة على ضوء القرار موضوع التعليق
إن مفهوم النفقة الذي كرسه هذا القرار قد جانب الصواب، فعلى المستوى الفقهي يعرف بعض الفقه النفقة لغة بكونها اسم الانفاق وتطلق على ما يؤمن به الانسان نفسه وذويه، واصطلاحا إخراج الشخص لمال لينفق به على من تجب عليه نفقته وتشمل المأكل والملبس والمسكن، وعرفها أيضا الدكتور محمد الشافعي بأنها كل ما يصرفه الانسان على نفسه وعلى زوجته وأولاده من طعام وكسوة وتمريض وإسكان، وهو نفس التعريف الذي أعطاه لها الدكتور محمد الكشبور بقوله: إن النفقة هي ما تحتاج إليه الزوجة في معيشتها اليومية من غذاء وكسوة وتطبيب حسب العرف والعادة، بالإضافة إلى ما يتطلبه بيت الزوجية من أفرشة وأغطية وأواني وأجهزة أخرى تسهل التعايش داخل بيت الزوجية.4

وقد جاء في شرح التحفة أن النفقة تشمل كل ما هو ضروري للزوجة من كسوة وإسكان ووجوب وسقوط واختلاف ورجوع، وحيث وجبت النفقة وجبت الكسوة والسكنى، وذلك داخل في حد ابن عرفة لها بقوله: النفقة ما به قوام معتاد حال الآدمي دون سرف. إلا من التزم نفقة من لا تلزمه نفقته كربيب مثلا، فقال ابن زرب: تلزمه كسوته، وقال ابن سهل وابن رشد وغيرهما: لا تلزمه لأن النفقة تخصصت عرفا بالطعام دون الكسوة، أما في الشرع فشاملة لها بلا نزاع.5
أما بالنسبة لمدونة الأسرة فإنها لم تعرف النفقة وإنما حددت ما يعتبر من مشتملاتها بتنصيصها في المادة 189 على أنه: "تشمل النفقة الغذاء والكسوة والعلاج، وما يعتبر من الضروريات والتعليم للأولاد، مع مراعاة أحكام المادة 168 أعلاه.
يراعى في تقدير كل ذلك، التوسط ودخل الملزم بالنفقة، وحال مستحقها، ومستوى الأسعار والأعراف والعادات السائدة في الوسط الذي تفرض فيه النفقة".
ويظهر من خلال هذه المادة أن عناصر النفقة التي أوردتها جاءت على سبيل المثال فقط، بدليل أن المشرع بعد تحديده لبعض عناصر النفقة، عاد ليفتحها على كل الأشياء الأخرى المماثلة عن طريق نصه على كل ما يعتبر من الضروريات حسب العرف والعادة، وهو ما اعتبر معه القضاء المغربي أن توسعة الأعياد تعد عنصرا من عناصر النفقة.6
من خلال كل ما سبق، وإذا سلمنا بأن توسعة الأعياد يدخلها القضاء ضمن مشتملات النفقة، فإن ما ذهب إليه قرار محكمة النقض أعلاه من كون مستحقات الزوجة بعد الطلاق المتمثلة في مؤخر الصداق والمتعة وأجرة الحضانة تعتبر من مشتملات النفقة ومن عناصر ماهيتها يعوزه السند القانوني، وهو توسع في التفسير غير مرغوب فيه، ذلك أن أعمال المشرع مفصولة عن العبث لأن المصطلحات القانونية تستدعي الدقة والوضوح لتفادي التأويل والغموض، سيما وأننا أمام المادة الجنائية التي تمس مقتضياتها مساسا مباشرا بحريات الناس.

فبالنسبة لمؤخر الصداق فهو دين ممتاز على ذمة الزوج وليس من مشتملات النفقة، بل ويختلف عنها اختلافا جوهريا من عدة وجوه نجملها كالآتي:
1- مؤخر الصداق ليس سوى تأجيل لبعض الصداق أو كله، هذا الصداق الذي يعتبر شرطا من شروط صحة عقد الزواج، فحسب المادة 13 من مدونة الأسرة فإنه لا يمكن للطرفين أن يتفقا على إسقاط الصداق تحت طائلة اعتبار عقد زواجهما فاسدا وفق ما تقضي به المادة 59 من ذات المدونة، أما النفقة فإنها لا تعدو أن تكون سوى أثرا من آثار عقد الزواج الصحيح أو انحلاله، فشتان بين شروط صحة العقد وبين آثاره، فالأولى يتوقف عليها صحة العقد وقيامه من الناحية القانونية، أما الثانية فإنها مجرد نتيجة مباشرة لذلك العقد بعد قيامه صحيحا.
2- الصداق ومؤخره معه ليس سوى ما يقدمه الزوج لزوجته إشعارا بالرغبة في عقد الزواج وإنشاء أسرة مستقرة وتثبيت أسس المودة والرحمة والعشرة بين الزوجين، أما النفقة فهي التزام شرعي يثقل كاهل الزوج بعد قيام عقد الزواج كيفما كانت الجهة المستفيدة منها، أي سواء كانت زوجة أو أولادا. بل والأدهى من ذلك أن النفقة لا تستحقها الزوجة بعد قيام عقد الزواج صحيحا فقط، بل لابد من أن يكون الزوج قد بنى بها أو دعته الزوجة للبناء بعد أن يكون قد عقد عليها.8
3- من البديهي أن النفقة لا تجب إلا بزواج صحيح قانونا، فإذا كان باطلا أو فاسدا فلا نفقة للزوجة لأن الواجب وقتئذ، كمبدأ عام، الافتراق لا المعاشرة. أما الصداق أو مؤخره فيجب التمييز بين بطلان عقد الزواج وفساده، فبالنسبة للزواج الباطل فيترتب عليه الصداق بعد البناء حسب المادة 58 من مدونة الأسرة، أما بالنسبة للزواج الفاسد فيجب التمييز بين حالتين كالتالي:
حالة الزواج الفاسد لصداقه: ويكون كذلك إذا لم تتوفر في الصداق شروطه الشرعية، فهنا يكون مصيره حسب المادة 60 من مدونة الأسرة الفسخ قبل البناء ولا صداق فيه، ويصحح بعد البناء بصداق المثل الذي تراعي المحكمة في تقديره الوسط الاجتماعي للزوجين.
حالة الزواج الفاسد لعقده: فلا يترتب عليه الصداق أو مؤخره قبل البناء، أما بعد البناء فتستحق فيه الزوجة الصداق كله إلى أن يصدر الحكم بفسخه.
4- الأساس الشرعي للصداق هو قيمته المعنوية والرمزية وليس قيمته المادية حسب المادة 26 من مدونة الأسرة، أما النفقة فإنها تكتسي طابعا اجتماعيا ومعيشيا، وبالتالي تكون العبرة فيها لقيمتها المادية التي لها تأثير كبير على الزوجة والأولاد، فمن ذا الذي سينفق على الأولاد غير أبيهم؟
أما بالنسبة للمتعة فلا علاقة لها بتاتا بالنفقة وليست من مشتملاتها لا من قريب ولا من بعيد، فبغض النظر عن أن المشرع نظمها في المادة 84 ونظم النفقة في المواد من 187 إلى 205، فإن حكمة تشريعها تتجلى في أنها تعويض للمرأة عن فراق زوجها، أما النفقة فلم تشرع إطلاقا لتعويض المرأة عن الفراق، بل العكس من ذلك تكون واجبة على الزوج سواء كانت العلاقة الزوجية قائمة أو انفصمت بإحدى المسوغات القانونية، وتجب على الزوج سواء تجاه زوجته أو أولاده.

والنفقة عكس المتعة شرعت لكون الزوج هو المعيل الوحيد للأسرة قانونا، وتلزمه نفقة الزوجة على وجه الخصوص ولو كانت هذ الأخيرة غنية وكان هو فقيرا، أما نفقة الأولاد فإذا عجز الأب كليا أو جزئيا عن الإنفاق على أولاده، وكانت الأم موسرة، وجبت عليها النفقة بمقدار ما عجز عنه الأب. وهذا كله لا يمكن تصوره نهائيا في المتعة، فهي تجب على الزوج تجاه زوجته فقط وبعد انفصام الرابطة الزوجية قانونا.
أما أجرة الحضانة فقد نص المشرع صراحة في المادة 167 من مدونة الأسرة على أن:" أجرة الحضانة ومصاريفها، على المكلف بنفقة المحضون وهي غير أجرة الرضاعة والنفقة." فهو اعتراف صريح من المشرع على أن أجرة الحضانة هي غير النفقة ولا تدخل ضمن مشتملاتها، فأجرة الحضانة تعطى للأم الحاضنة كمكافأة لها على احتضانها للأولاد والقيام بتربيتهم ورعايتهم.
كما لا تستحق الأم أجرة الحضانة في حال قيام العلاقة الزوجية أو في عدة من طلاق رجعي، في حين أن النفقة تستحقها الزوجة في كلا هاتين الحالتين.
يتضح إذن أن النفقة مستقلة عن المتعة وأجرة الحضانة ومؤخر الصداق، ويبقى ما قضت به محكمة النقض في هذا الشأن متنافيا مع مقتضيات الشرع والوضع ولا يقبله المنطق السليم.
ثانيا: تعارض القرار موضوع التعليق مع قواعد القانون الجنائي
إن ما ذهب إليه هذا القرار من خلال توسيع مفهوم النفقة الوارد في الفصل 480 من القانون الجنائي فيه تعارض كبير مع القواعد الأساسية التي يقوم عليها القانون الجنائي.
فمن جهة يتناقض هذا القرار مع مبدأ مشروعية التجريم والعقاب، وهو مبدأ أصيل في المادة الجنائية ومن أبرز المبادئ المتعارف عليها دوليا، وقد تبنته المدارس الفكرية المعاصرة والمواثيق الدولية والتشريعات المقارنة، كما هو الحال بالنسبة للمشرع المغربي الذي اعتبره مبدأ دستوريا، وذلك من خلال المادة 23 من دستور 2011 بالقول:" لا يجوز إلقاء القبض على أي شخص، أو اعتقاله أو متابعته أو إدانته، إلا في الحالات وطبقا للإجراءات التي ينص عليها القانون...". وأكد عليه الفصل الثالث من القانون الجنائي الذي نص على أنه:" لا يسوغ مؤاخذة أحد على فعل لا يعد جريمة بصريح القانون ولا معاقبته بعقوبات لم يقررها القانون".
وبالتالي فإن الركن القانوني للجريمة التي كرسها القرار منعدم، وتكون بالتبعية معاقبة الطليق على مقتضى لم يرد النص عليه مسبقا إسفافا في حقه وهضما لحقوقه التي يكفلها القانون، وتصبح العقوبة في حقه غير مشروعة.
ومن جهة أخرى يتعارض هذا القرار أيضا مع قاعدة عدم جوار التوسع في تفسير القانون الجنائي. فالأصل في عبارة النص القانوني أن تتسم بالدقة والوضوح والبساطة، بشكل يستغنى معه عن التفسير والتأويل اللذان يتنافيان وخصوصيات القاعدة القانونية الجنائية.
إذ من شأن التفسير والتأويل أن يؤدي إلى خلق جرائم وعقوبات غير منصوص عليها وهو ما يتناقض مع مبدأ الشرعية. ويتعين من ثمة على القاضي الجنائي أن يعمل بالتفسير الضيق للنص الجنائي وفي الاتجاه الذي يتفق ومصلحة المتهم. قس على ذلك أن محكمة النقض بهذا التوجه قد تطاولت على المؤسسة التشريعية ونصبت نفسها محل المشرع لتنشئ جرائم غير منصوص عليها قانونا، وهو الشيء الذي يطرح على المحك سؤال استقلال السلطة التشريعية عن السلطة القضائية.
وأيضا يكون على القاضي الجنائي ألا يؤسس أحكامه إلا على اليقين لا الشك، فلا يصح له أن يدين متهما على أساس نص يشك في مدى انطباقه على الواقعة المعروضة عليه.
بالإضافة إلى كل هذا فإن علاقة القانون الجنائي بمدونة الأسرة تتجلى في كون القانون الجنائي لا يضفي الحماية سوى على الحقوق التي سبق وأن تم تقريرها بمقتضى مدونة الأسرة، وهو ما يجعله مقيدا بمفاهيم تلك المدونة، ويجعل النفقة كما هي معروفة في المادة الأسرية هي نفسها الموجودة في المادة الجنائية، ما دام القانون الجنائي لم يؤسس لنفسه مفهوما خاصا للنفقة كما فعل مع مفهوم الموظف العمومي في الفصل 424، احتراما لمبدأ مشروعية التجريم والعقاب.
فكان الأولى على محكمة النقض أن تقول بأن مستحقات الزوجة بعد الطلاق من متعة وأجرة حضانة وكالئ صداق مستقلة عن النفقة ولا يشملها الفصل 480 من القانون الجنائي، احتراما لمبدأ المشروعية الجنائية والتفسير الضيق للنص الجنائي وفي صالح المتهم وتبعية مفاهيم القانون الجنائي لمدونة الأسرة ما لم يرد مفهوم خاص في القانون الجنائي.
وبقراءتنا للفصل 480 من القانون الجنائي يتضح لنا على أن التفسير الذي أعطته له محكمة النقض ليس صائبا أبدا، فبالرجوع إلى هذا الفصل نجده ينص على ما يلي:" يعاقب بنفس العقوبة من صدر عليه حكم نهائي أو قابل للتنفيذ المؤقت بدفع نفقة إلى زوجه أو أحد أصوله أو فروعه وأمسك عمدا عن دفعها في موعدها المحدد. وفي حالة العود يكون الحكم بعقوبة الحبس حتميا."
فإذا سلمنا مع محكمة النقض أن النفقة تشمل مؤخر الصداق والمتعة وأجرة الحضانة، فهل تدفع هذه المستحقات للأصول أو للفروع حسب النص أعلاه؟ وهل يتصور العود في عدم أداء المتعة مثلا؟ فالمتعة تعطى مرة واحدة للمطلقة ولا يتصور أن تعطى لها مرتين لكي يتحقق العود. ثم إن استعمال المشرع لمصطلح "في موعدها المحدد" يدل على دورية أداء النفقة، ولا يتصور أن تؤدى المتعة أو أجرة الحضانة بصفة دورية، وهو ما يدل على أن النفقة المقصودة هنا هي النفقة المعيشية المعروفة في مدونة الأسرة.
ومعلوم أيضا أن النفقة مشمولة بالنفاذ المعجل القانوني حسب الفصل 179 مكرر من قانون المسطرة المدنية، إذ تنفذ الأحكام الصادرة في قضايا النفقة رغم كل طعن، فهل – بنفس منطق محكمة النقض – مستحقات الزوجة بعد الطلاق من متعة وكالئ صداق وأجرة حضانة وغيرها مشمولة هي أيضا بالنفاذ المعجل القانوني؟ فهذا لا يقبله عقل ولا منطق. فمستحقات الزوجة بعد الطلاق تكون فقط ابتدائية ويمكن الطعن فيها بجميع طرق الطعن حسب المادة 128 من مدونة الأسرة. فمن حق الطليق ألا ينفذ على الأصل حكم الطلاق في شقه المتعلق بالمستحقات، إذ يجوز له الطعن فيه، وليس من حق المحكمة معاقبته بالفصل 480 من القانون الجنائي.
بالإضافة إلى هذا كله، فلو صدر مثلا حكم قضى بالمتعة وأجرة الحضانة وكالئ الصداق فقط، دون أن يقضي بالنفقة خلال العدة، فهل يستقيم أن نطبق على هذا الحكم الفصل 480 من القانون الجنائي ونقول أن هذه المستحقات هي نفقة بصفة عامة؟ فالأولى هنا هو اتباع مسطرة الإكراه البدني لإجبار الطليق على تنفيذ الحكم وليس تطبيق مقتضيات الفصل 480 من القانون الجنائي.
نستخلص إذن أن النفقة لها مفهومها الخاص، ولا يستقيم أبدا توسيع هذا المفهوم وإضافة معطيات أخرى إليه، فالمفهوم القانوني ليس كغيره من المفاهيم، إذ يتميز بالدقة والوضوح. وإن كنا قد نعي ما ذهبت إليه محكمة النقض في هذا القرار ونتفهم موقفها، بحكم أنها أرادت حماية مصالح المطلقة ومستحقاتها بعد الطلاق وإيجاد وسيلة لإجبار الطليق على دفعها، لذلك لم تجد بدا من توسيع مفهوم النفقة المذكور في الفصل 480 من القانون الجنائي، إلا أنها سقطت في المحظور لأن القانون الجنائي لا يتوسع في تفسيره ولا يمكن حماية مصالح المطلقة على حساب حقوق وحريات الطليق.
وتجدر الاشارة في الأخير إلى أن محكمة النقض سبق لها أن أصدرت قرارا مماثلا للقرار موضوع التعليق وذلك منذ سنة 2009، وجاء فيه أن الفصل 480 من القانون الجنائي يعاقب على الامتناع عن أداء النفقة بصفة عامة، لذلك فإن مستحقات الزوجة من الطلاق تشمل الصداق المؤخر إن وجد ونفقة العدة والمتعة، والقرار القاضي بعدم قبول المتابعة لكون الموضوع يتعلق بمستحقات الطلاق يكون مشوبا بفساد التعليل.

1- منشور بمجلة قضاء محكمة النقض، عدد 84، ص 235 وما بعدها.
2- محمد الأزهر، شرح مدونة الأسرة، الطبعة السادسة سنة 2013، مطبعة دار النشر المغربية عين السبع – الدار البيضاء، ص 258.
3- محمد الشافعي، الزواج وانحلاله في مدونة الأسرة، الطبعة الثالثة 2014، المطبعة والوراقة الوطنية مراكش، ص 133.
4- محمد الكشبور، الوسيط في شرح مدونة الأسرة، الكتاب الأول: عقد الزواج وآثاره، الطبعة الثانية 2009، مطبعة النجاح الجديدة، ص 442.
5- البهجة في شرح التحفة للإمام أبي عبد الله محمد التاودي، دار الرشاد الحديثة الدار البيضاء، ص 683.
6- استقر القضاء المغربي على هذا التوجه آخذا بعين الاعتبار الأعراف المحلية السائدة بالمغرب منذ صدور قرار المجلس الأعلى (محكمة النقض حاليا) الصادر بتاريخ 1992/06/16، أورده: إدريس بلمحجوب، الاجتهاد القضائي في مدونة الأحوال الشخصية، ص 80.
7- أنظر المادة 26 من مدونة الأسرة.
8- أنظر المادة 194 من مدونة الأسرة.
9- أنظر المادة 64 من مدونة الأسرة.
10- قال ابن وهب:" فإن طلقها واحدة فلم يمتعها حتى ارتجعها فلا متعة لها، لأن المتعة عوض عن الفرقة، وتسليمها عن الوحشة التي تصيبها عن الفراق". المنتقى شرح موطأ الإمام مالك 4/88. النوادر والزيادات 5/289.
- أوردها: عادل حاميدي، التطليق للشقاق وإشكالاته القضائية، طبعة 2015، مطبعة المعارف الجديدة الرباط، ص 105.
11- وذلك طبقا للمادة 199 من مدونة الأسرة.
12- راجع في هذا الصدد: البشير عدي، محاضرات في القانون الجنائي العام، الطبعة الأولى 2018، ص 38.
13- البشير عدي، مرجع سابق، ص 50.
14- تنص الفقرة الثانية من المادة الأولى من قانون المسطرة الجنائية على ما يلي:" يفسر الشك لفائدة المتهم."
15- قرار المجلس الأعلى عدد 174/10 في الملف عدد 18687/08، صادر بتاريخ 2009/01/18، منشور بمجلة قضاء المجلس الأعلى عدد 71 ص 415 وما يليها.