اﻟﻤﺴﺘﺠﺪاﺕ

حكومة العدالة والتنمية والتحالف مع اللوبي الاقتصادي والمالي

المنتصر السويني - باحث في المالية العامة - القانون الإداري و العلوم السياسية 2019-08-01 813

قالت الصحفية الكندية نعومي كلين-ان المطلوب من الديمقراطية ان تنجز لنا انتقالا ديمقراطيا وليس انقلابا للشركات المتعددة الجنسيات.

قالت مارغريت تاتشر-في السابق كانت الناس تجتهد من أجل تحقيق شيئا ما ولكن الآن الناس تفكر فقط في أن تصبح شخصا ما-
لم يكن التعنيف الذي تعرض له وزير الصحة في عهد حكومة بنكيران ،داخل قبة البرلمان من طرف لوبي الأدوية ،ولا الهجوم الذي تعرض له الكاتب العام لوزارة المالية من طرف لوبي المصحات ،ولا العجز الذي ابانت عنه الحكومة في مواجهة لوبي المحروقات ،ولا خضوع الحكومة امام ابتزاز الباترونا في قانون المالية 2019،من خلال منحها إعفاءات ضريبية ضخمة ، ولا رفض كبار التجار التعامل بالفاتورة ،حدثا عابرا في تاريخ المغرب ما بعد الدستور الجديد ، بل كان اعلانا قويا عن البداية الفعلية لعصر الرأسمال بالمغرب .
وحيث ان الاقتصاد لا يعترف بالطعام المجاني ، فإنه كلما استفادت اطراف داخل المجتمع(سواء تعلق الامر بالرأسمال او بالعمل) من الكعكة ،فان اطراف أخرى تؤدي الفاتورة(عندما يستفيد الرأسمال يؤدي العمل الفاتورة كاملة) ،الاحداث السابق ذكرها توضح ان عصر الرأسمال قد فرض شروطه ،وبالتالي فان الزمن السياسي ما بعد دستور 2011،هوزمن المساهمين والبنكيين ،وزمن رجال الاعمال ولوبي المصحات ولوبي المحروقات ولوبي الصناعات الدوائية ووووو، هذه الاستفادة كانت على حساب الاجراء والعاطلين والشباب والموظفين، عصر الرأسمال في المغرب جاء ليثبت أن اليد الخفية للسوق( ليست اليد التي تعيد التوازن كما تصورها الاقتصادي آدم سميت، بل يد السوق ولوبيات السوق التي تلتهم كل شيء امامها )تحرق الأخضر واليابس في طريقها ، ضدا على دستور جديد حمل معه الأمل في مغرب جديد ، دستور كان يبشر المغاربة بأن اليد الواضحة والجلية والقوية للمؤسسات السياسية القادمة قادرة(مقولة للباحث ميشيل بوفيي طبقناها على التجربة المغربية) على كنس اليد الخفية للسوق ولكن الواقع اثبت ان الاحداث جاءت معاكسة للأحلام، وبالتالي يطرح السؤال ، لماذا وقعت الانتكاسة وما هو السبب؟

أولا)غياب الطبقة السياسية عن المشهد الديمقراطي في البلد، فتح الباب على مصراعيه أمام اللوبيات الاقتصادية و المالية للحكم الفعلي.
المتتبع للشأن العام في المغرب ما بعد دستور2011 ، سيلاحظ غياب الطبقة السياسية عن المشهد الديمقراطي في البلد ، غياب البرلمان وغياب الحكومة وغياب رئيس الحكومة وغياب الأحزاب(الأحزاب باعتبارها حاملة مشاريع)،وبالتالي فان هذا الغياب جعل الديمقراطية المغربية عاجزة عن احتلال المساحة المحجوزة لها في المشهد العام .
ورغم أن الدستور الجديد استهدف تعزيز الاختصاصات والمهام الموكولة للطبقة السياسية ، لكن هذا التعزيز كان يتطلب مجيب سياسي قوي من الطبقة السياسية المغربية ، مجيب يمتلك نخب ،مجيب يمتلك أفكار ،مجيب يمتلك خيال، مجيب يمتلك مشروع ولكن الطبقة السياسية كانت عاجزة عن تأثيث المجال المخصص لها في المشهد السياسي.
يؤكد السياسي اليساري الكندي روميو بوشار،ان الأحزاب السياسية صارت الوسيلة المميزة التي يعتمد عليها اللوبي الاقتصادي من اجل مراقبة القرارات المتخذة من طرف النواب ، الأحزاب السياسية ونخبها صارت تبحث عن السلطة ،من اجل البحث عن الجاه والمال الذي يوفره لها الرأسمال (بعد أن عجز السياسي عن خلق الثروة)،وبالتالي يؤكد هذا السياسي على التغييرات التي مهدت الطريق للانتقال من دولة المواطنين الى دولة الرأسمال واللوبي الاقتصادي والمالي.
عدم قدرة البرلمان على القيام بالمهام الموكلة له في التشريع والمراقبة وتقييم السياسات العمومية ،وخصوصا المهام الرقابية والتقييمية (والتي تتطلب مستوى تعليمي جامعي وتخصص وخبرة والإرادة والتكوين السياسي واختيار التحالف واختيار القضية والارتباط بالشأن العام)،وعجزه كذلك عن لعب دور التمثيلية الوطنية، بما تتطلبه من نقاش ونقاش مضاد والطرح والطرح المضاد، لأن الديمقراطية تتطلب صراع التصورات السياسية المختلفة ، هذه المهمة الصعبة والشاقة هي الوحيدة التي تثبت ان البرلمان قادر على تمثيل الشعب السيد ،ولكن البرلمان المغربي عجز عن القيام بدوره الدستوري ورسخ صورة الجهاز الذي يبحث عن تحسين الظروف المادية لأعضائه .
كما أن الأغلبية والحكومة ومؤسسة رئاسة الحكومة عجزوا عن أداء المهام الموكولة لهم والمحددة في النص الدستوري ، هذا العجز كان في حقيقة الامر دليلا على عدم قدرة الطبقة السياسية المغربية عن صنع الخيَال الجماعي وعجزها كذلك عن صنع العاطفة السياسية ،لان السياسة ليست فقط تقنية وقوانين ومراسيم ، بل تتطلب الديمقراطية العمل على اختراع نوع جديد للسلطة الديمقراطية ،مبنية على خطاب يحمل معنى ومغزى وإرادة مستمرة لتوقع المستقبل ، وهو ما سبق وان أكده السياسي وينستون تشرشل، عندما قال -ان السياسي يجب ان يمتلك القدرة على قول ما يمكن ان يحدث غدا ،والاسبوع القادم والشهر القادم ،والقدرة بعد ذلك على امتلاك الشجاعة على التوضيح لماذا لم يحصل ذلك.

كان المطلوب من مؤسسة رئاسة الحكومة ان تمارس مهام رئاسة الحكومة بما يضمن قيادة البلد من خلال الفعل ومن خلال إعطاء مغزى واضح للنهج المراد اتباعه ، فالتاريخ يعلمنا انه عند الوصول إلى السلطة لا يجب الاعتماد فقط على الحظ ،ولكن يجب الاستناد الى العمل اليومي من خلال الاعتماد على فريق والبحث عن الدعم لأنه لا وجود للناس المحظوظين ، ويجب من أجل ذلك أن نكون منظمين ،وأن نتصرف كمحترفين وليس كهواة ،وبالتالي لم يكن مقبولا من رئيس الحكومة بعد دستور 2011(وهو القادم من الحزب الاغلبي )ان يكون في واقع الأمر فقط ذلك الشخص العادي، بل كان المطلوب اختراع شكل جديد للسلطة الديمقراطية ،شكل يتطلب من رئيس الحكومة ان يثبت للمجتمع انه ليس فقط موظف عادي في منصب رئيس الحكومة ،بل كان المطلوب منه ان يثبت انه مسؤولا سياسيا يحلق بجناحين ،يعتمد الجناح الأول على التمثيلية السياسية ،ويعتمد الجناح الثاني على الكفاءة والخبرة ، ولكن حزب العدالة والتنمية عجز عن افراز قادة بحجم المنصب الذي ينتظرهم، واقصى ما قدمه حزب العدالة والتنمية لمنصب رئاسة الحكومة، هو نموذج للقادة العاديين والقادة المتوسطين(قادة عاجزون عن قيادة الأغلبية، ولا يمتلكون أفكار تساعد البلد على الخروج من النفق ،وعاجزين عن تقديم الحلول-وعاجزين عن انجاز المشاريع بالسرعة المطلوبة والشكل الأفضل-مما سهل احتوائهم من طرف اللوبي المالي والاقتصادي).

استقالة البرلمان والحكومة شكل في واقع الأمر عائقا كبيرا، أمام حضور فعلي للطبقة السياسية في المشهد السياسي المغربي، هذا الغياب جعل الديمقراطية التي بشر بها دستور 2011،غير قابلة للتطبيق في غياب مؤسسات سياسية تمتلك عقل وإرادة وتمارس اختصاصاتها الموكلة لها دستوريا وقادرة على احتلال المكانة المخصصة للسياسية في المشهد الديمقراطي للدستور الجديد، هذا الغياب كان من نتائجه الفعلية فتح المجال أمام قوى المال والاغنياء لفرض شريعتهم.
ثانيا)حزب العدالة والتنمية وغياب المشروع المجتمعي.
في المغرب عملت الازمة السوسيو اقتصادية ،على تفتيت المشروع المجتمعي الى مجموعة من الميكرو-مشاريع محليين وهامشيين، وبالتالي كان المطلوب من القوى السياسية القادمة من صناديق الاقتراع ما بعد دستور 2011 أن تعمل على تجميع المجتمع وراء مشروع مجتمعي فعلي وحقيقي قابل للتطبيق.

المشروع هو فكرة عن ما نود فعله وتحقيقه ،هو هدف نتوخاه ونقترح تحقيقه، ونعمل بالتالي على توضيح خطوطه العريضة ،مع تقدير الإمكانات المطلوبة لتنفيذه، المشروع هو صناعة الذكاء الجماعي كما أن المشروع هو الذي يمنح القوة للمواطن من اجل الوقوف على رجليه، وبالتالي يمثل المشروع من جهة هوية جماعية ،ومن جهة أخرى وهذا هو المهم يمنح القدرة على الفعل، لان وحده المشروع يعتبر حجر الزاوية في المغامرة الفعلية ،لان ما يصنع التكاتف الجماعي ،ليس هو القيادة التراتبية فقط ،بل وكذلك الثقافة المشتركة والرؤية المشتركة للمشروع.
المشروع المجتمعي هو نظرة شمولية او قطاعية لتنظيم وتدبير المجتمع ، خصوصا وان شروط الحياة في المجتمع تتطلب التوفيق بين التطلعات والمصالح الفردية مع متطلبات الحياة الجماعية، وبالتالي من المفروض على كل مجتمع وكل حضارة ،العمل بشكل مضني من اجل البحث عن التوازن ما بين حقوق الفرد و متطلبات الجماعة ،وكل مجتمع يبحث عن توازن خاص به ومنسجم مع خاصياته وثقافته وقيمه .
امام غياب الخطاب السياسي باعتباره الوحيد الذي يحمل نظرة للمجتمع وكيفية تغييره ،وبغياب الايديولوجية التي تمنح القوة التي تمكن من التغلب على صداع الرأس التقني ،وفي غياب النقاش الأيديولوجي الذي يمكن السياسي من تأسيس سؤال الغايات ، وفي غياب الأيديولوجية التي تعتبر شرطا أساسيا لاقتراح عالم آخر ولتحديث الفعل العمومي في أي نظام ديمقراطي وتداولي، غاب المشروع المجتمعي ، وفتح الباب على مصراعيه أمام الاحداث لتفرض نفسها على العجز والسلبية التي يعيشها المجتمع نتيجة لغياب المشروع. كما ان الأزمة السوسيو اقتصادية وغياب المشروع المجتمعي جعلا من الطموح في بناء التعاقد الماكرو- (اجتماعي أمر شبه مستحيل (الباحث باريل، مجتمع الفراغ.
في غياب المشروع وغياب الخطاب السياسي ،حضرت الإجراءات التقنية، وفي غياب النظرة الاستراتيجية ،يحضر التدبير اليومي وتتحول الحكومة الى الإطفائي المكلف بإطفاء الحرائق التي يشعلها بنفسه (مشكل التعاقد-مشكل المتصرفين-مشكل الدكاترة-مشكل (التقنيين وووو .
في ظل هذه الظروف وفي غياب ما يخلق التآزر بين الجميع وفي غياب الثقافة الواحدة للمشروع حضرت التوجيهات الرئاسية كشكل أساسي لقيادة المجتمع ،كما ان غياب المشروع المجتمعي جعل هذه التوجيهات الرئاسية العمودية رهينة للمشاريع الخاصة للتمثيليات الوسطية والشخصية ولمصالح اللوبيات والرأسمال.
وحيث ان المشروع السياسي المتفق عليه بين مختلف القوى هو الوحيد الكفيل ببث روح التضامن وفتح باب الامل في المستقبل ، وعلى اعتبار ان الطبيعة لا تقبل الفراغ فان غياب وتراجع المشروع المجتمعي ،فتح المجال امام القوى الوحيدة المستفيدة من التشرذم السياسي وغياب تحديد المصلحة العامة ،وهي قوى السوق والرأسمال المتوحش .
وفي الأخير وكما قال الفيلسوف الاشتراكي بيير لروكس،-في غياب المشروع المجتمعي ،يتحول المجتمع الى فوضى للأنانية ،ولا يمثل المجتمع ذلك الجسد الواحد ،بل يتحول الى مجموعة من الأعضاء المتفرقة لجثة هامدة-
ثالثا- عجز حكومة العدالة والتنمية عن تحديد المصلحة العامة فتح المجال أمام اللوبيات والرأسمال للتحرك.
منذ القرن الثامن عشر ،ترسخ مفهوم المصلحة العامة ،باعتباره مبدأ أساسي يؤسس لمشروعية الدولة ، مفهوم المصلحة العامة شكل الحجر الأساس للفعل العمومي ،مما جعله يحجز مكانة مهمة في الفكر السياسي والقانوني، باعتباره كذلك الوحيد القادر على تحديد غايات واساس ومشروعية هذا الفعل. جون جاك روسو في كتابه العقد الاجتماعي عمل على التفريق بين مصلحة الكل والمصلحة العامة، التفريق بين إرادة الكل والإرادة العامة ، ينطلق من كون إرادة الكل تبقى مرتبطة بالمصلحة الخاصة ،بينما الإرادة العامة تبقى مرتبطة بالمصلحة العامة .
وكما سبق و أكد بنطام فان الاستعمال المشروع للسلطة يفترض أن الدولة والسلطة متوجهان نحو هدف واحد هو المصلحة العامة، وفي هذا السياق يؤكد الباحث ستغلز ،ان الدولة ليست عقلانية لأنها خاضعة لمجموعات الضغط وبالتالي هي دائما متهمة بتفضيل المصالح السياسية لبعض الافراد والمجموعات ،وعلى اعتبار أن الدولة ليست واحدة بل متنوعة وعلى إعتبار كذلك أن المجتمع هو كذلك متنوعا ، فإن تنوع الدولة وتنوع المجتمع يفترض الحوار والحوار من أجل البحث عن الإرادة العامة وبالتالي تحديد المصلحة العامة. غياب تحديد الأهداف الحكومية ، وغياب النقاش الديمقراطي حول هذه الأهداف ،خلق ضبابية كبيرة حول طبيعة وكنه الإرادة العامة والمصلحة العامة ، هذه الضبابية عملت على فتح الطريق على مصراعيه أمام الارادات الخاصة والمصالح الخاصة لتجسد حضورها القوي في عهد حكومة العدالة والتنمية .

الباحثان بيير ميللر وبرينو جوبير في كتابهما المشترك حول السياسات العمومية، أكدا أن القطاعية والفئوية وتجزئة مجموعات المصالح ومجموعات الضغط ، وحضور اللوبيات بشكل قوي ، يفسر بعجز وعدم قدرة الأغلبية البرلمانية والحكومة ورئاسة الحكومة، عن تهيئ الشروط الضرورية لإنجاز سيناريو شامل للحوار الجماعي داخل الدولة وداخل المجتمع .
غياب القدرة على انجاز شروط نجاح عقد شامل داخل الدولة والمجتمع ، جعل الدولة بكل مؤسساتها رهينة للمصالح الفئوية المعبر عنها من طرف اللوبيات والمجموعات الصغيرة المعبرة عن مصالح فئوية لمجموعات الضغط او مجموعات مصالح. في غياب تحديد المصلحة العامة ، تبقى الدولة رهينة للمصلحة الشخصية والمصلحة الوسطية ،وتبقى كذلك رهينة للوبيات المال والاقتصاد، العجز عن تحديد المصلحة العامة هو في حقيقة الأمر تفتيت للمجتمع وتفتيت للإرادة العامة والمصلحة العامة ، كما ان هذا التفتيت يعمل على خدمة المصالح الخاصة للوبيات المال والاقتصاد .
رابعا)حكومة العدالة والتنمية واستراتيجية تفكيك الدولة الاجتماعية.
قال جون ماينر كينز-كل رجال السياسة ينفذون توصيات اقتصاديين لا يعرفونهم ولا يعرفون أسمائهم وفي غالبيتهم رحلوا منذ القدم، دون معرفة ذلك-هذا الجهل يحرم رجال السياسة من القدرة على الإجابة على مجموعة من الأسئلة الأساسية المرتبطة بالحكم وبالتدبير الاقتصادي بالأساس، ما المطلوب من الدولة ؟هل المطلوب منها ان تفعل كل شيء ؟،ام المطلوب منها ان تفعل بشكل اقل ،وبالتالي ان تترك المجال للقطاع الخاص ،ام المطلوب منها ان تفعل بشكل مشترك ،لماذا تطبيق سياسة اقتصادية دون أخرى ما هي الأولويات وكيف ترتب هذه الأولويات.
رغم التشاؤم الذي عبرعنه الاقتصادي الكبير كينز بخصوص مسالة معرفة السياسيين بعلم الاقتصاد ،الا أن شريحة واسعة من المجتمع المغربي والتي صوتت على حزب العدالة والتنمية لقيادة الحكومة بعد دخول دستور 2011حيز التنفيذ ، كانت تتوقع من هذا الحزب ذو المرجعية الإسلامية ،ان ينهل من الاطار العام للحكامة من خلال النص القرآني الذي عمل على عقلنة الحكامة ، عبر التفسير الذي قدمه النبي يوسف لرؤيا فرعون مصر(سورة يوسف)، حيث نصح يوسف فرعون ومن خلال فرعون المؤسسة الملكية ،بانتهاج سياسة التوقع ،وسياسة الاقتطاع، وسياسة التخزين ،وسياسة التوزيع ،من خلال العمل على توفير شروط المشروعية والعدالة والشفافية حتى تجعل المجتمع ككل يستفيد من الخيرات ويقبل بالاقتطاع بشكل متساوي لنتائج الظروف الصعبة.

ولكن وبعد مرور ثماني سنوات على تحمل الحزب لمسؤولية تدبير الشأن العام ، أتضح أن الحزب لا يتوفر على مشروع مجتمعي وغير قادر على فتح النقاش المتعلق بتحديد المصلحة العامة كما أنه لا يتوفر على برنامج اقتصادي، هذا العجز مهد الطريق أمام الحزب الأغلبي وأغلبيته للخضوع للحلول السهلة المرتبطة بالرأسمال الوطني والدولي .
الرأسمال المحلي والدولي لا يصعب الأمور على الأحزاب والحكومات التي لا تمتلك برامج ،بل يطلب منها فقط العمل على تفكيك القطاع العام والبرامج الاجتماعية وخدمة مصالح اللوبي المالي والاقتصادي ،هذا البرنامج أطلق عليه الباحث دينيس كيسلر وداعا 1945(أي وداعا برامج أحزاب التحرر والاستقلال والوطنية والعمل السياسي الحقيقي والفعلي)لنجعل بلدنا يتشبث بالعالم أي بالرأسمال .
في المغرب كان الأمر يتطلب تفكيك المكتسبات التي انتزعت في مرحلة ما بعد الاستقلال(1956-1977) وخصوصا تفكيك أدوات الدولة الحامية (قانون الوظيفة العمومية والمساواة أمام المنصب العمومي –قانون التقاعد-صندوق المقاصة ...).
استراتيجية التشبث بالعالم لم تعتمد فقط على تفكيك البرامج الاجتماعية ، بل اعتمدت كذلك على تطبيق نهج الكينزيانيزم العشوائي كما سماه الاقتصادي الفرنسي اللامع فيتوسي ، وذلك لكون الكينزيانيزم العشوائي هو النهج المفضل للقيادات السياسية التي تفعل دون أن تعرف ،او تفضل أن لا تفعل عندما تعرف، هذه الاستراتيجية جعلت الأغلبية البرلمانية والحكومة رهينة لمتطلبات التحالف مع قوى المال والاغنياء.
خامسا)حكومة العدالة والتنمية و التحالف بين التكنوقراطية المتحولة واللوبي الاقتصادي والمالي.
كان دستور المساواة يفرض على مؤسسة رئاسة الحكومة العمل بجد من اجل مجتمع يفتح الافاق امام مواطنيه من خلال الاعتماد على الكفاءات والمجهود والاستحقاق بدل الاعتماد على ظروف الولادة والحظ والشبكات.
غياب مؤسسة رئاسة الحكومة ،كان في الحقيقة غياب للديمقراطية واختيار المواطنين وغياب الوجهة والموقع وبالتالي تستسلم الحكومة السياسية للاختيارات الفعلية للنخب التكنوقراطية داخل الادارة. اختيارات النخب التكنوقراطية خطرها الكبير يتمثل في كونها توهم المجتمع انه لا يوجد الا جواب وحيد علمي وجيد لكل الأسئلة السياسية الشائكة، بالإضافة إلى أن هذه النخب تتعامل بشكل ميكانيكي مع الأولويات اذ بالنسبة لها فان مجال السياسات العمومية يحتاج فقط الى ميزانية بالإضافة الى مجموعة من المراسيم( يكفي الاطلاع كل يوم خميس على جدول اعمال الحكومة لتأكد من ذلك) وبالتالي تحاول ايهام الجميع بعدم جدوى الديمقراطية والتناوب والسياسة والحلول المتعددة.
الخطر الكبير لتفويض أمور تدبير الدولة للتكنقراط ،لا يتمثل كما في السابق في إزاحة السياسي والحل الوحيد فقط ، بل يتمثل في كون التكنقراط الجدد يختلفون بشكل جوهري عن التكنقراط القدامى، خصوصا وأن التكنوقراط القدامى كما أكد التكنقراطي الفرنسي الكبير سيمون نورا(مدير المدرسة الوطنية الفرنسية السابق وصاحب التقرير الشهري حول اصلاح المؤسسات العمومية والذي يحمل اسمه) هم في غالبيتهم مرتبطين بالمصلحة العامة ولهم ميولات نحو خدمة الطبقات المسحوقة وهَواهم كنيزي أخلاقي والذي يعتمد على التصرف من خلال المعرفة ومن خلال الواقع(حديث بير روزنفلون عن سيمون نورا في كتابه حياتنا الثقافية والسياسية من سنة 1968-2018).
التكنقراط الجدد وبعد أن تعرضوا لعملية تدجين وإعادة البناء والتكوين من طرف المؤسسات الدولية والمؤسسات الخاصة الوطنية والدولية، الممولة من طرف اللوبي الاقتصادي والمالي ،فان ولائهم تحول راديكاليا نحو الوفاء المطلق لاستراتيجية مرحبا بالعالم ومرحبا باللوبي الاقتصادي والمالي ،وبالتالي فان التكنوقراط الجدد يتمتعون بشكل اقل بروح الصالح العام ،وهَواهم نيولبيرالي متوحش ،ويملكون تعاطف واستعداد لخدمة الطبقات الميسورة وأصحاب رؤوس الأموال واللوبيات وخدمة الفئات وخدمة الأشخاص ،واستراتيجيتهم الأساسية هي خدمة دولة الأغنياء ، والخطير في الأمر كذلك ان التكنوقراط الجدد والمشكلين في الغالب من موظفي بعض المكاتب ومحرري المشاريع هم من يحررون مشاريع القوانين ومشاريع المراسيم والقرارات ، كما ان التكنوقراط الجدد يفضلون تطبيق الكينزيانيزم العشوائي بدل الكينزيانيزم الأخلاقي.

الاستراتيجية المطبقة من طرف هذه النخب كان المستفيد الوحيد منها هم الأغنياء اما الخاسر الكبير فهم الطبقات المسحوقة والطبقة المتوسطة وبالتالي ضاعت حقوق الطبقات المسحوقة والطبقة المتوسطة ،وضاع معها مفهوم المصلحة العامة، وبالتالي يجد المغرب نفسه تحت رحمة التحالف بين التكنوقراطية المتحولة والأوليغارشية المالية .
سادسا)-العلاقة الجدلية بين طبيعة النفقات ومستوى الديمقراطية.
المصادقة على دستور 2011، كان يفترض نهج طريق الحداثة الديمقراطية ،نهج هذا الطريق كان يتطلب ان تشهد قوانين المالية ما بعد العقد السياسي الجديد ارتفاع ما يطلق عليها بالنفقات المخصصة للاختيارات التي تستهدف بناء المجتمع الأقل فوارق وبالتالي الاهتمام باستراتيجية إعادة إقتسام الثروة وإعادة التوزيع، والاهتمام كذلك بالنفقات المرتبطة ببناء دولة القانون بكل ما يتطلبه ذلك من تخصيص نفقات لحل الخلافات المجتمعية المتوقعة (الباحث داني رودريك) والناتجة بالأساس عن توسيع الفوارق داخل المجتمع.

عمل مجموعة من الاقتصاديين على تقسيم النفقات العمومية الى ثلاث أنواع ،النوع الأول يخص النفقات العمومية الوجودية (الدفاع-الامن-العدل-الخارجية المؤسسات.)،اما النوع الثاني فيخص النفقات العمومية المخصصة للنمو (التجهيز-التعليم-البحث-البيئة...)والنوع الثالث من النفقات العمومية هو المخصص للتغطية الاجتماعية ،ربط هذا التقسيم بالدستور الجديد ،كان يعني ان قوانين المالية ما بعد سنة2011،كان من المفروض أن تعزز النفقات العمومية المخصصة للنمو والنفقات العمومية المخصصة للتغطية الاجتماعية .
النقاش العلمي عمل على تحديد العلاقة القائمة بين النمو والديمقراطية ، حيث خلص على أن الدولة الضريبية التي أعقبت دولة الأملاك ،انتجت الديمقراطية ،وهذه الأخيرة انتجت النمو الاقتصادي والاجتماعي ،هذه التغييرات تدفع الى التطور في اتجاه الدولة الاجتماعية .
الدستور الجديد والتنزيل الديمقراطي والحراك الاجتماعي كان من المفروض ان يدفع المغرب الى تعزيز النفقات المخصصة للنمو والرفع من النفقات المخصصة للتغطية الاجتماعية وتخصيص جزء من النفقات لتقليص الفوارق وترسيخ دولة المساواة .
ولكن الملاحظة الأساسية ان مرحلة ما بعد دستور 2011وخلافا لما كان متوقع شهدت تعزيز ورفع النفقات المتعلقة بالنفقات العمومية الوجودية، هذا الرفع كان له تأثير كبير على المخصصات المتعلقة بالنمو والتغطية الصحية ،وكان لها بالمقابل تأثير كبير على نوعية الديمقراطية وبالتالي يتضح ان حزب العدالة والتنمية واغلبيته السياسية اختار طريق التقليدانية المخزنية لتنزيل الدستور الجديد، بدل نهج طريق الحداثة الديمقراطية .
الخلاصة:
غياب البرلمان وغياب مؤسسة رئاسة الحكومة وغياب الحكومة وغياب الأغلبية ،كان في حقيقة الأمر، تعبير ضمني عن غياب الطبقة السياسية عن المشهد السياسي وتعبير واضح عن غياب القضية والهدف والشرائح المفروض العمل لصالحها ،وبالتالي بقيت الأسئلة المفروض على كل التشكيلات السياسية في الديمقراطيات الحديثة الإجابة عنها بدون جواب :ما العمل بعد الوصول الى السلطة؟ ما هو برنامج اليوم الثاني(بعد يوم الوصول الى السلطة)؟ باسم من نحكم ؟ ومن اجل من ، من المفروض ان نتحرك؟،وفي أي اتجاه نريد ان نقود الحكومة والأغلبية ؟وفي غياب الجواب يفتح الباب على مصراعيه أمام عصر الرأسمال وعصر اللوبي الاقتصادي والمالي.