اﻟﻤﺴﺘﺠﺪاﺕ

نطاق حماية المكتري قبل اكتساب الملكية التجارية

اسماعيل الورايني - باحث بكلية الحقوق بطنجة - القانون التجاري 2019-07-09 805

إن حقيقة الصراع الإقتصادي القائم بين الملكية العقارية والملكية التجارية الذي أملته ظروف تطور الأنشطة التجارية وبالتالي عجز القواعد العامة للكراء عن تلبية حاجيات التجار1 ، جعلت من التشريعات الكرائية يفرد لعقد الكراء التجاري قواعد قانونية خاصة تحيد عن

القواعد المدنية خصوصاً وأن الكل كان يجمع على قصور وثغرات2 مقتضيات ظهير 24 ماي 1955 لما كان يزخر به من طول وتعقيد في الإجراءات والمساطر بالرغم من أنها كانت تهدف إلى تفادي كل ما من شأنه المس بإستقرار المؤسسات التجارية إلا أنه كان لابد من إدخال تعديلات جذرية تستوجب الإصلاح، وبالفعل جاء قانون 16-49 وحمل في مقتضياته مجموعة من المستجدات كلها تروم إلى توفير الضمانات والأبعاد الحمائية وتحقيق المبادئ الثلاثة المتمثلة في الأمن القانوني، التوثيقي والقضائي وكذا الحرص على توفير مكانة بارزة للمكتري بإعتباره محور مهم في العلاقة الكرائية من خلال توفير حماية قانونية شاملة وبالتالي خلق نوع من التوازن العقدي بين الملكيتين العقارية والتجارية.

مما حدى بالمشرع على توفير آليات تشريعية حمائية للمكتري سواء في مرحلة تكوين العقد وقبل إكتساب الحق في الكراء ، و هو محور تحليلنا في هذا الموضوع ، وكذا الحقوق المقررة أثناء سريان العقد و الذي سنتناوله في مقال آخر .

المبحث الأول: نطاق حماية المكتري قبل إكتساب الملكية التجارية
لقد حاولت القواعد الخاصة بالكراء التجاري التنسيق بين مجموعة من المقتضيات القانونية لضمان الحماية للأصل التجاري وإن كان مالكه لم يستفيد بعد من الحق في الكراء وذلك بتقرير إستفادته من الضمانات المقررة سواء تلك التي كانت في ظهير 24 ماي 1955 المنسوخ أو في القانون الجديد الحالي 16-49 ،هذا الأخير عمل على الإقرار الحق في الكراء للمكتري على إعتبار أنه عنصر من عناصر الأصل التجاري ودعامة أساسية لاستقرار هو إستمراره يدور حوله وجوداً وعدماً.

وعليه لكي يحظى المكتري بالحماية المقررة له في القانون منذ البداية أي قبل اكتسابه الملكية التجارية قام المشرع على إدراج مقتضيات وضوابط لذلك، التي سنقوم برصدها من خلال إقرار الحق في الكراء المنشئ للعقد في (المطلب الأول) ثم الشروط المتعلقة بهذا الحق في (المطلب الثاني).
المطلب الأول: الإقرار بحق المكتري في الكراء
إن لتأطير العلاقة بين مالك العقار ومالك الأصل التجاري يشترط أن تكون مبنية وجوباً على رابطة الكرائية والتي لا تتأتى إلا بوجود عقد الكراء حتى تحظى الملكية التجارية بالحماية المقررة طبقاً للقواعد الخاصة بالكراء التجاري.
وعليه فإن إنعدام العقد سيحرم صاحبه الإستغلال و الإنتفاع بالعين المكتراة المنصوص عليها في المادة 627 من ق.ل.ع ويصبح موضع محتل للعقار بدون سند ولا قانون. وكما هو معلوم فالمحتل ليست له صفة المكتري التجاري ولا يستفيد من تطبيق القانون الخاص بالكراء التجاري ولا بالضمانات الحمائية.

هذا ما دفعنا إلى دارسة شكلية العقد (الفقرة الأولى) والعقود المستثناة من نطاق تطبيق قانون 16-49 (الفقرة الثانية).
الفقرة الأولى: شكلية الكتابة في إنشاء العقد
ويعتبر عقد الكراء من العقود الرضائية 3 ولا يتطلب لإبرامه أية شكلية معينة إنسجاماً مع مقتضيات الفصل 228 من قانون الالتزامات والعقود الذي ينص على أنه: "يتم الكراء بتراضي الطرفين على الشيء وعلى الأجرة وغير ذلك مما عسى أن يتفقا من شروط في العقد".
وعليه نجد الظهير الملغى قد حافظ طيلة العقود الماضية على مبدأ الرضائية مما أدى إلى طغيان العقود الشفوية والذي طرح مشاكل شائكة على المستوى العملي. ولمجابهة هذا الوضع، جاء قانون 16-49 بمستجد الكتابة من خلال تنصيصه في المادة الثالثة على أنه: "تبرم عقود كراء العقارات أو المحلات المخصصة للإستعمال التجاري أو الصناعي أو الحرفي وجوباً بمحرر كتابي ثابت التاريخ"، والملاحظ في هذه المادة أن المشرع نص على وجوب إبرام عقد الكراء كتابة بمحرر ثابت التاريخ دون تحديد الجهة المخول لها تحرير هذا النوع من العقود. وكما هو معلومفالقانون المغربي لم يعرف المحرر ثابت التاريخ الأمر الذي إعتبره بعض الفقه مجرد تسمية جديدة للمحرر العرفي. فقد جاء في أحد قرارات محكمة النقض: "أن العقد الذي رفض المطلوب تقييده بالرسم العقاري ليس محرراً رسمياً وإنما هو مجرد محرر ثابت التاريخ صادر عن محام مقبول للترافع أمام محكمة النقض".4

وبالتالي فمقتضى المادة الثالثة المذكورة، أصبحت الكتابة أمراً مفروضاً، إلا أنه يطرح إشكالات على مستوى الواقع خصوصاً أن المشرع لم يفرد جزاء عند تخلفها، لاسيما أن الصياغة التي وردت بها المادة 37 من نفس القانون توحي بأن تخلف عنصر الكتابة في العقد تخرجه من نطاق الحماية المقررة له وتخضعه بخلاف ذلك للقواعد العامة، وهذا ما يدفعنا إلى التساؤل حول الجدوى من التنصيص على المستجد طالما أن غياب جزاء قانوني صارم يحرم الأطراف من الإمتيازات التي يمنحها لهم هذا القانون.

وهكذا بالنسبة للعقود الكتابية المبرمة خلافاً لمقتضيات المادة الثالثة، فقد قرر المشرع إخضاعها للقانون 49.16 أيضاً مع منح إمكانية إتفاق الأطراف في أي وقت على إبرام عقد مطابق لأحكامه طبقاً للفقرة الثانية من المادة 38 .5
لكن يمكن القول بأن المشرع بهذا الشكل قد أفرغ المادة الثالثة أعلاه من محتواها بموقفه المتذبذب فتارة ينص على وجوب إبرام العقد في شكلية معينة لقيامه وتارة يقرر أن العقود المبرمة خلافاً للقانون 16-49 تخضع لهذا الأخير دون تحديد أي سقف زمني لتدارك ذلك، وهذا في حد ذاته غموض يحتاج إلى توضيح وإن كان إشتراط الكتابة يبقى هو التوجه العام والغالب على إمتداد مواد القانون برمته، وكنموذج حي على ذلك ما جاء في الفقرة الثانية من المادة الثالثة بخصوص ضرورة تحرير بيان وصفي دقيق لحالة الأماكن عند تسليم المحل المكترى الذي يعد حجة بين الأطراف.

كما أن المشرع لم يعمد إلى تحديد طبيعة المحرر ومجمل البيانات الواجب إدراجها فيه وهو موقف أكثر مرونة بالمقارنة مع ما ورد في المادتين 7 و8 من القانون رقم 67- 12 6 المتعلق بكراء المحلات المعدة للسكنى أو الإستعمال المهني، الشيء الذي يؤدي إلى القول بأنه رغم سعيه الحثيث نحو تحقيق الأمن التعاقدي وضبط المراكز القانونية للأطراف وتبسيط الرؤية أمام القاضي في حالة إثارة النزاع حتى يتسنى صيانة حقوق المكتري من جهة والحفاظ على حقوق الدولة في إستخلاص الواجبات الضريبية على المحلات المكتراة من جهة أخرى، فإنه مع ذلك لم يستطع إحاطة كافة الضمانات التي من شأنها تحقيق الأمن التوثيقي المنشود في حماية حقوق ومصالح الأطراف وتقليص أسباب النزاع حول وجود علاقة كرائية من عدمه.
عموماً يبقى السؤال الرئيسي المطروح بشدة بخصوص إنشاء عقد الكراء التجاري وفق القانون 16-49 حول ما إذا كانت الكتابة هي لازمة لإنعقاد العقد أم وسيلة إثبات لا يؤدي تخلفها إلى زواله؟
ذهب أغلب من الفقه إلى إعتبار الكتابة للإثبات مادام أن الأصل في التصرفات القانونية هو الرضائية وأن جزاء تخلفها لا يرتب بطلان عقد الكراء بل يبقى قائماً وصحيحاً متى إستوفى أركانه وشروط إنعقاده من أهلية ورضا ومحل.
ومن وجهة نظرنا، نرى أن الكتابة هي فقط بمثابة شرط من شروط تطبيق القانون رقم 16-49 طالما أنه لم يرتب كما سلف القول أي جزاء عند تخلفها من بطلان العقد أو غيره وبذلك لا تعد وسيلة للإثبات إذ أنه في حالة عدم توثيق العقد يبقى صحيحاً وقائماً والقول بأنها للإثبات يعني إستبعاد كل وسائل الإثبات الأخرى المنصوص عليها في الفصل 404 من قانون الإلتزامات والعقود.
الفقرة الثانية: العقود المستثناة من نطاق تطبيق قانون 16-49
عملاً بمقتضيات المادة 2 من قانون 16-49 نجد أن المشرع قد أخرج العديد من عقود الأكرية من نطاق تطبيقه وذلك موازاة مع الظهير الملغى، وقد حاول تمديد الإستثناء إلى عقود أخرى بالرغم من أنها تتعلق بمحلات وعقارات تمارس فيها أنشطة تجارية.

أولا: العقارات التي تدخل في نطاق الملك العام
تتفرع العقارات التي إستثناها المشرع المغربي من الحماية المقررة بمقتضى قانون 16-49 والتي تندرج ضمن مفهوم الملك العمومي إلى عقارات تدخل في نطاق الملك العام لدولة والجماعات الترابية والمؤسسات العمومية وعقارات تدخل في نطاق الملك الخاص لهذه المؤسسات غير أنها مرصودة للمنفعة العامة، فالنوع الأول من العقارات منظمة بظهير فاتح يوليوز 1914 7 وهي كل الأملاك التي يستخدمها العموم والتي لا يسوغ لأحد الإنفراد بتملكها، لكونها مشاعة بين العموم وإن كانت لا تختلف عن الأملاك الخاصة إلا أن تخصيصها للمنفعة العامة يجعلها في وضع خاص لا تقبل معه الحجز مثلاً أو التملك بالتقادم، وفي هذا الصدد يمكن للدولة أن تصدر قرار في إستعمال هذه الأملاك في إطار عام أو خاص بل يمكن أن تصبح أملاك خاصة للدولة أملاك عامة عندما تكون ذات منفعة عامة وبشكل لا يتنافى مع طبيعتها.

ويمكن للدولة أن تتعاقد مع أحد الأفراد على الملك العام قصد استغلاله بشكل مؤقت من خلال عقد الإحتلال المؤقت وهو تعاقد لا يكون من شأنه الحد من حرية المرخص في الرجوع فيه أو في تعديله لدواعي المنفعة العامة، ذلك أن من حق الحكومة سحبه منه في أي وقت لكون المرخص له ميزة وقتية داخل العقار.

وتجدر الإشارة إلى أن الترخيص المؤقت لشغل الملك العام كان الطريقة الوحيدة لإستغلال الأملاك العامة وفق ظهير 20 يونيو 1918 غير أنه بعد صدور القانون 98-17 سنة 1999 المتمم والمغير للفصل الأول لهذا الظهير، أصبح بالإمكان منح الترخيص بإستغلال الأملاك العامة عن طريق عقود الإمتياز التجاري وفق دفتر التحملات إذا كان الغرض تحقيق مصلحة عامة. 8
أما أملاك الدولة الخاصة فهي أملاك للإدارة لا ترتبط بالأملاك العامة، ولا تخضع للقواعد المتعلقة بالملك العمومي، وإنما لنظام قانوني يتكون من عدة قواعد تتعلق بكيفية إقتنائها وتدبير شؤونها، وذلك من منطلق أنها أملاك تمتلك ذمة مالية عامة تعظم أهميتها من تزايد دورها في تنمية موارد الجماعات وهذا ما أكسبها إستثناء قانونيا.9
وعموماً يرجع سبب إستبعاد الملك العام للدولة من أثار الحماية المقررة في هذا القانون تتحدد في كون هذه الحماية تنصب فقط على قيام الحق في التعويض وفي تحديد العقد وهو ما يتناقض مع خصوصيات هذه الأملاك.
ثانيا: العقارات التي تدخل في نطاق الأملاك العائدة للأوقاف
الوقف كمؤسسة إجتماعية نجدها أيضاً تخرج من نطاق الحماية المقررة في قانون 16-49 على غرار الظهير الملغى، وذلك راجع إلى كون أن هذا الأخير لا يرتب حقوقاً شخصية على العقار مثل عقد الكراء لما لهذا الأخير من إلتزامات قد تثقل كاهل الإدارة، الشيء الذي لا يجوز معه للمكتري الذي قد يؤسس أصلاً تجارياً على عقارات أو محلات تعود ملكيتها للأوقاف إكتساب الحق في الكراء وإنسجاماً مع ما تنص عليه المادة 90 10 من مدونة الأوقاف.

والجدير بالذكر أنه إذا ما رجعنا للمادة 2 من القانون الجديد نجدها لا تمنع بصريح العبارة من إقامة أصل تجاري على عقارات أو محلات تعود ملكيتها للأوقاف بل المنع ينصب على إكتساب الحق في الكراء الذي يعتبر عنصر من عناصر الأصل التجاري ولما قد يترتب اكتسابه كما سبق الذكر من التزامات التي تقع على عاتق إدارة الأوقاف.
ولعل من بين التساؤلات المطروحة في هذا الصدد حول مصير الأصول التجارية التي تشتغل في العقارات أو المحلات التي تتم وقفها طبقاً لمدونة الأوقاف بعد إكتساب الحق في الكراء؟
وكإجابة عن هذا التساؤل نجد مقتضيات المادة 90 في فقرتها الثانية لا تسري على الأصول التجارية التي تستغل في العقارات التي تم وقفها طبقاً لمدونة الأوقاف بعد إكتساب الحق في الكراء على إعتبار أن هذه الحالة وإن لم يتم تنظيمها في القانون 16-49 بخلاف ظهير 24 ماي 1955 فإنه مادام الأمر يتعلق بحق مكتسب فإنه يتعين مراعاة المركز القانوني وتمتيعه بالحماية اللازمة.

ثالثا: عقود الكراء الطويلة الأمد
على غرار ظهير الملغى نجد المشرع عمد إلى إستثناء العقود الطويلة الأمد من نطاق تطبيق القانون على إعتبار أن هذا النوع من العقود يعتبر حقاً عينياً بمفهوم المادة 121 من مدونة الحقوق العينية المنظم بقانون 39.08، وهو ما يتنافى وعقد الكراء المبرم وفق مقتضيات 16-49 لأنه من الحقوق الشخصية.
وعليه فعقد الكراء الطويل الأمد يكون لمدة تفوق 10 سنوات على أن لا تتجاوز 40 سنة ولعل هذه المدة من بين الأسباب الداعية إلى إقصاء هذا النوع من العقود من الحماية المقررة، وهو أمد لا يتوافق وما قرره المشرع في القانون 16-49 لإكتساب الحق في الكراء.
لكن ما يثير الإستغراب أنه إذا ما رجعنا إلى الفصل الثالث من الظهير الملغى نجد أن العقود الطويلة الأمد المبرمة مع المكترين الأصليين يتم تطبيقها بشرط أن تكون مدة تجديد العقد المبرم بين هؤلاء والمكترين الفرعيين لا تؤدي إلى شغل الأماكن إلى ما بعد تاريخ العقد الطويل الأمد.
وهذا الأمر لم يشر إليه المشرع في القانون الجديد وقد حسن فعل إذ كيف يسري المنع على عقود الكراء الطويلة الأمد كأصل دون الفرع مادام أنها ترتب حقوق عينية خاضعة لمقتضيات مدونة الحقوق العينية التي تخول للمكتري حقاً عينياً قابلاً للرهن الرسمي.
رابعاً: عقد الائتمان الإيجاري
الإئتمان الإيجاري كطريقة تمويل الإستثمارات نظمها المشرع في مدونة التجارة في المواد من 431 إلى 444، وينقسم إلى نوعين فهناك عقد الائتمان الإيجاري للمنقول والآخر للعقار، هذا الأخير حسب المادة 431 11 هو كل عملية إكراء للعقارات المعدة لغرض مهني تم شراؤها من طرف المالك أو بناها لحسابه، إذا كان من شأن هذه العملية كيفما كان تكييفها أن تمكن المكتري من أن يصير مالكاً لكل أو بعض الأموال المكراة على أبعد تقدير عند انصرام أجل الكراء.
وعليه فخصوصية عقد الإئتمان الإيجاري العقاري المركبة والمعقدة جعلت المشرع في قانون 16-49 يستثنيه من مقتضياته وهذا المنع جاء بشكل صريح في المادة 434 من مدونة التجارة.
خامساً: عقود كراء العقارات أو المحلات المخصصة للإستعمال التجاري أو الصناعي أوالحرفي التي تبرم بناء على مقرر قضائي أو نتيجة له
إلى جانب العقود السالفة الذكر والمستثناة من نطاق تطبيق قانون 16-49، نجد أيضا المشرع مدد المنع للمحلات والعقارات المنظمة بقوانين خاصة، ولعل من بين هذه الحالات عقود كراء التي تبرم بناء على مقرر قضائي أو نتيجة له.
والمقصود بهذا النوع من العقود تلك المبرمة بناء على مقرر قضائي صادر من جهة قضائية أو كانت هذه العقود نتيجة هذا المقرر، كالعقود التي تبرم بخصوص المحلات التجارية أو الصناعية أو الحرفية توجد في وضعية التصفية القضائية 12 والمنظمة بنصوص خاصة في مدونة التجارة الفصول 573 – 574 – 661.
ولعل السبب الرئيسي حول إستبعاد هذا النوع من العقود راجع لإنعدام إرادة الأطراف في مثل هذه العقود ولكونها تخضع لإطار خاص بها ولمقتضيات خاصة في مدونة التجارة، فلا يمكن مثلاً في حالة ما إذا تم فتح قرار التسوية القضائية أن يوجه المكري إنذار بالإفراغ ولا حتى المصادقة عليه لأن في هذه المرحلة يكون السنديك هو المؤهل لذلك والمتحكم في إستمرارها من عدمه أو فسخها.
وقد سبق لمحكمة النقض أن قضت في أحد تطبيقاتها القضائية بأنه: "حيث يعيب المستأنف عليها صدر في حقها حكم بالتسوية القضائية ولم يعد من حقها توجيه الإنذار بالإفراغ، أو لم يعد من حقها رفع الدعوى من أجل المصادقة عليه وأن السنديك هو المؤهل قانوناً لإتخاذ قرارات بشأن العقود التي تكون المقاولة طرفاً فيها".13
سادساً: عقود كراء العقارات أو المحلات الموجودة بالمراكز التجارية
لعل من أهم الإستثناءات التي أتى بها القانون الجديد بموجب البند الخامس من المادة الثانية والمتعلق أساساً بعقود كراء العقارات أو المحلات الموجودة بالمراكز التجارية حيث يقصد بهذه الأخيرة كل مجمع تجاري ذي شعار موحد مشيد على عقار مهيأ ومستغل بشكل موحد، ويضم بناية واحدة أو عدة بنايات تشتمل على محلات تجارية ذات نشاط واحد أو أنشطة متعددة، وفي ملكية شخص ذاتي أو عدة أشخاص ذاتيين أو شخص إعتباري أو عدة أشخاص إعتباريين، ويتم تسييره بصورة موحدة إما مباشرة من طرف مالك المركز التجاري أو عن طريق أي شخص يكلفه هذا الأخير. ويرجع سبب منع المشرع في إخضاع هذا النوع من العقود للحماية المقررة في القانون ذلك أن الأصول التجارية تكون صحيحة متى توفرت على عنصري السمعة التجارية والزبناء وأن إنعدام العنصرين أدى لا محالة من عدم خضوعها للقانون . وما تجدر الإشارة إليه أن القضاء الفرنسي بدوره إستقر على إعتبار المحلات الكائنة بالمراكز التجارية محلات تابعة Commerce dépendantمؤسساً إجتهاده على علتين متكاملتين: إنعدام توفر عنصر الزبناء الخاصين بهذه المحلات والمستقلين عن زبناء المركز وإنعدام توفر عنصر الإستقلالية في تسيير هذه المحلات لعدم إنفرادها بنظام وتوقيت خاص في العمل.14

وفي إعتقادنا فمتى إستطاع صاحب المحل إثبات قيام زبائن خاصين به مستقلين عن زبناء المركز التجاري، فإنه يكون مشمول بالحماية التي أوجبها القانون، لأنه يستحيل في بعض الأحيان معرفة ما إذا كان الزبناء الذين تستغلهم المحلات أو الفضاءات داخل المراكز هم زبناء خاصين بهذه المحلات أم زبناء المركز التجاري. وأمام هذه الإشكالات والنزاعات التي ستقع مستقبلاً كان حري بالمشرع وضع قانون خاص بهذه المراكز كما فعلت بعض التشريعات كإيطاليا واليونان.

سابعاً: عقود كراء العقارات أو المحلات المتواجدة بالفضاءات المخصصة لاستقبال مشاريع المقاولات
إستبعدت الفقرة 8 من المادة 2 من القانون 16-49 عقود الكراء المنصبة على العقارات أو المحلات المتواجدة بالفضاءات المخصصة لإستقبال مشاريع المقاولات التي تمارس نشاطها بقطاعي الصناعة وتكنولوجيا المعلومات وكذا جميع الخدمات ذات الصلة، بما في ذلك ترحيل الخدمات والتي تنجزها الدولة أو الجماعات الترابية أو المؤسسات العمومية أو المقاولات التي تملك فيها الدولة أو شخص من أشخاص القانون العام مجموع أو أغلبية رأسمالها بهدف دعم وتطوير أنشطة مدرة للدخل ومحدثة لفرص العمل.
والمقصود بترحيل الخدمات أو ما يسمى بالأوفشورنغ Offshoring والذي يعني إعادة توطين الشركات الكبرى الأجنبية في البلدان ذات الأجور والتكاليف المنخفضة حيث يمكنها أن تجد المهارات والكوادر اللازمة.15

المطلب الثاني: شروط قيام عقد الكراء التجاري
خلافا للقواعد العامة المنظمة للكراء، فإن الأحكام الخاصة للكراء التجاري أوجبت للإستفادة من أحكامه لابد من توفر شروط لقيام عقد الكراء وهذا ما نص عليه القانون 16_49 في فقرات متفرقة من مقتضياته.
وإعتبارا للأهمية التي يحظى بها الحق في الكراء، نجد العديد من التشريعات الحديثة تنادي بحمايته، وبرجوعنا للمادتين الثالثة والرابعة وكذا المادة الخامسة من القانون السابق الذكر يحث على أنه لميلاد الحق في الكراء يجب تخصيصه لإستغلال تجاري أو صناعي أو حرفي وأن يكون هذا الإستغلال محكوماً بمدة محددة.
وبناءاً على ما سبق سنقوم بتناول الشروط في ثلاث فقرات من خلالها نتحدث عن مدة الإيجار التجاري (الفقرة الأولى) والأجرة ومراجعتها في الكراء التجاري (الفقرة الثانية) لنعرج للحديث عن المحل المستغل فيه الأصل التجاري (الفقرة الثالثة).

الفقرة الأولى: مدة الإيجار التجاري
خلافاً للقواعد العامة المنظمة للكراء والتي تمنح لأطراف العلاقة التعاقدية الحرية في تحديد المدة وفي مقابل ذلك أجرة محددة، 16 فإن الأحكام الخاصة بالكراء التجاري تلزم للإستفادة من أحكامها لابد من مرور مدة معينة يقضيها المكتري بالعين المؤجرة.
وعليه فنجد المشرع المغربي في الظهير الملغى عمل على تحديد عقد الكراء التجاري من خلال ما نص عليه في الفصل الخامس منه على أنه: "لا يحق لأي فرد أن يطالب بتجديد العقد ما عدا المكترين والمتخلى لهم عن عقد الكراء أو ذوي حقوقهم ممن يأتون هم أو موروثهم بما يثبت به، إما حق إنتفاع لمدة سنتين متتابعتين حصلوا عليه بمقتضى عقدة أو عدة عقود متوالية، إما ما لهم من إنتفاع مسترسل مدة أربع سنوات عملاً بعقدة أو بعدة عقود شفوية متتابعة أو بمقتضى عقود متوالية مكتوبة كانت أو شفوية".

وبهذا يكون الظهير قد خرج عن القواعد العامة وقرر خلافاً لذلك مدة محددة في عقد الكراء التجاري والتي لا تقل عن سنتين إذا كان العقد مكتوباً وعن أربع سنوات إذا كان العقد شفوياً ليكون من حق المكتري تجديد العقد والحق في التعويض.
وقد نحى نفس المنحى المشرع الجزائري وذلك في المادة 172 من قانونه التجاري الذي إعتمد هو الأخر على إزدواجية المدة، عكس التشريع الفرنسي والتونسي الذي إستقر على مدة واحدة.
وفي هذا الصدد نجد بعض الفقه ذهب إلى تبرير موقف المشرع المغربي لكون هذا الأخير بمسلكه هذا يريد أن يحث المتعاقدين على توثيق إتفاقاتهم الواردة على كراء المحلات حتى يستفيدوا من حق التجديد في مدة سنتين بدل أربع سنوات، وهو نفس الأمر الذي أكده وجاء المشرع به كمستجد ضمن مقتضيات قانون الجديد في المادة 4 منه الذي نجده ألغى تلك الإزدواجية، بحيث أصبح المكتري يكتسب الحق في الكراء متى أثبت إنتفاعه من العين المكتراة بصفة مستمرة لمدة سنتين، وفي هذا الإطار يطرح تساؤل حول هذه المدة هل يتم إحتسابها من يوم إبرام العقد أم من تاريخ الشروع الفعلي للإستغلال؟
وكإجابة عن هذه الإشكالية نجد المشرع في المادة الرابعة كان واضحاً في حسم هذا الإشكال، بحيث لم تعد العبرة في إحتساب المدة بتاريخ إنجاز العقد بل بمدة الإنتفاع الفعلي بالعين المكتراة.

والمشرع المغربي في القانون الجديد وتماشياً مع ظهير 1955 الملغى رتب على العقود الغير متوفرة على شرط المدة عدم شمولها بالحماية المقررة في القانون وبالتالي إخضاعها للقواعد العامة، وهذا ما تطالعنا به المادة 37 من قانون 16-49 فقد جاء في حيثيات حكم صادر عن المحكمة التجارية بمراكش "حيث إن العلاقة الكرائية ثابتة بين الطرفين بموجب عقد الكراء المصادق على إمضائه من قبلهما بتاريخ 22/10/2015.
وحيث إن بالرجوع لوثائق الملف وخاصة عقد الكراء المذكور أعلاه يتبين أن مدة الإستغلال المدعي في الملف الأصلي للعين المكتراة في نشاطه التجاري لم تتجاوزبعد السنتين، الأمر الذي يكون معه شرط المدة لم يتحقق بعد حتى تطبق مقتضيات القانون رقم 16-49 على العلاقة القانونية بين الطرفين وتبقى معه هذه الأخيرة خاضعة لمقتضيات الكراء المنظمة بظهير الإلتزامات والعقود طبقاً لما تنص عليه المادة 37 من القانون المذكور أعلاه ...".17
وقد وضع المشرع لهذه القاعدة بعض الإستثناءات لبعض الفئات من التجار كما هو الحال بالنسبة للصيادلة حيث تنص المادة 61 من القانون 17.04 المتعلق بمدونة الأدوية والصيدلة على إكتساب الحق في الكراء بمجرد إفتتاح الصيدلية،18 والملاحظ أنه لم يتم تعليقها على شرط الإنتفاع الفعلي لمدة سنتين بل فقط بمجرد واقعة الإفتتاح، وقد حسن فعل المشرع بإحالة هذا النوع من العقود لقواعدها الخاصة حتى تكون مشمولة بحمايتها.

وبالرجوع للفقرة الثانية من المادة الرابعة نجد المشرع قد أعفى المكتري من شرط المدة إذا كان قد قدم مبلغاً مالياً مقابل الحق في الكراء، ومن جهة أخرى وإنسجاماً مع شرط الكتابة فإن المادة المذكورة أعلاه ألزمت بأن يتم توثيق المبلغ المالي كتابة سواء تم تضمينه في عقد الكراء أو في عقد منفصل.
وهذا بالفعل مستجد أتى به القانون الجديد يهدف أساساً إلى تحقيق نوع من الشفافية والعمل على مقاربة النص القانوني للواقع العملي من خلال إيجاد صيغة قانونية تهدف إلى حماية المكتري من خلال تقنين ما دأب عليه المتعاملون مالكوا العقارات إلى فرض ما يسمى بالعامية "ثمن الساروت" أو "الحق في الكراء" وبهذا المعنى يكون المشرع قد قنن عملية تتم في الخفاء وتدخل في عداد العمل غير المشروع، بحيث أصبح الآن من حق المكتري إكتساب الحق في الإيجار بمجرد دفع ثمن الحق في الكراء.
الفقرة الثانية: الوجيبة الكرائية ومراجعتها في الكراء التجاري
تعد الوجيبة الكرائية أو الأجرة ذلك المبلغ المالي أو الشيء الذي يلتزم المكتري بدفعه للمكري مقابل إنتفاعه بالعين المكتراة خلال المدة المتفق عليها، فهي محل إلتزام المكري وركن أساسي في عقد الكراء لا يستقيم إلا بوجوده ويدور معه وجوداً أو عدماً.20
وتخضع الوجيبة الكرائية في تحديدها إلى إرادة الطرفين تطبيقاً لقاعدة "العقد شريعة المتعاقدين" وهو نفس الأمر مسطر في إطار القواعد العامة وذلك في الفصل 627 ق.ل.ع، ونجد المشرع تبنى نفس التوجه في القانون الجديد 16-49 في مادته الخامسة وذلك في الفقرتين الأولى والثانية والتي تنص على أنه تحدد الوجيبة الكرائية للعقارات أو المحلات المشار إليه في المادة الأولى أعلاه، وكذا كافة التحملات يتم بتراضي الطرفين.

وما تجدر الإشارة إليه أن هذه التحملات كانت تطرح إشكالات شائكة على مستوى الفقه والقضاء حول الجهة التي تتحملها عندما لا يتم تضمينها بعقد الكراء، إلا أن القانون الجديد تفادياً لأي نزاع قد يقع بين الطرفينإعتبرها من مشمولات الوجيبة الكرائية في حالة عدم التنصيص على الطرف الملزم بها بالإضافة إلى باقي التحملات الأخرى بما في ذلك ضريبة رسم الخدمات الجماعات وواجبات السنديك...إلى غير ذلك، ومن بين التساؤلات التي أثيرت في هذا الصدد حول ما إذا كانت ضريبة النظافة تدخل ضمن الخدمات التي يؤديها المكتري؟

كإجابة عن هذا التساؤل وبإستقرائنا للآراء الفقهية وإتجاهات القضاء يظهر أن هناك ميلاً فقهياً واضحاً مرده تحميل ضريبة النظافة للمكري على إعتبارها مثل ضريبة المباني متصلة بالعقار وبمالك العقار وهو العنصر الثابت وليس المكتري الذي تعتبر علاقته بالعقار مؤقتة وغير مستقرة.21
وبهذا يكون الفقه قد أدرج ضريبة النظافة في عداد الخدمات والمعيار الذي تم إعتماده لتحميل المكري الضريبة هو كون هذه الأخيرة عينية تفرض على العقار وليست شخصية تتعلق بمن يشغل العقار، وهذا المعيار يجد سنده في الفصل 642 من ق.ل.ع.
أما بخصوص العمل القضائي فنجده قد تواتر على إعتبار المكتري هو الذي يتحمل ضريبة النظافة شريطة أن يدلي المكري للمحكمة بما يثبت أدائه نيابة عنه.
وفي ظل القانون الجديد فنجد أنه إذا لم يتحملها المكتري أو المكري فإنها تدخل ضمن مشمولات الوجيبة الكرائية.هذه الأخيرة تبقى ثابتة كأصل وذلك بإتفاق الطرفين لكن إذا حالت ظروف إقتصادية فإنها تخضع للمراجعة وهو الأمر الذي لم يتم تنظيمه من قبل الظهير الملغى 24 ماي 1955 خلال سريان العقد بل قام بإحالتها على نصوص خاصة ومنها ظهير 5 يناير 1953، حينما لا يتم إيراد شرط في العقد يحدد مبلغ الزيادة المتفق عليها.
وحسبنا التنبيه أن هذا الظهير تم إلغائه بمقتضى قانون 07.03 المتعلق بمراجعة أثمان كراء المحلات المعدة للسكنى أو الإستغلال المهني أو الصناعي أو الحرفي، لكنه ظل محافظ على نفس فلسفة الظهير 1953 وعلى الحرية الإرادية في مراجعة السومة الكرائية، لأنه كما هو معلوم أن تحديد الوجيبة الكرائية تتم بإتفاق وبإرادة الأطراف وقد عمل القانون الجديد على تكريس ذلك من خلال الإحالة على مقتضيات قانون 07.03.22 وبرجوعنا لمضامين هذا القانون، نجده بالرغم من إعطائه للأطراف الحرية في الإتفاق على رفع السومة الكرائية إلا أنه قيدهم بأن لا تتم هذه الزيادة خلال مدة تقل عن ثلاث سنوات من تاريخ إبرام العقد أو من تاريخ آخر مراجعة قضائية أو إتفاقية وهذا ما أكدته المادة الثانية من القانون السابق الذكر.

كما نجد المشرع يفرض على الأطراف وجوب التقيد بنسبة معينة والتي حددها القانون 07.03 في مادته الرابعة منه في 8% بالنسبة لمحلات المعدة للسكنى و10% بالنسبة للمحلات المعدة للإستعمال المهني.
وإذا كانت المادة الرابعة أعلاه قد حددت نسبة الزيادة في ثمن الكراء فإن المادة الخامسة من نفس القانون نصت على أنه يمكن للمحكمة تحديد نسبة الزيادة في ثمن الكراء بما لها من سلطة تقديرية ودون التقيد بالنسبتين المذكورتين في المادة الرابعة أعلاه إذا كان ثمن الكراء لا يتجاوز أربعمائة درهم شهرياً على أن لا يتعدى نسبة الزيادة المحكوم بها %50.وعليه إذا كان المشرع قد نظم مراجعة السومة الكرائية وزيادة فيها فماذا عن تخفيضها؟

إن الظهيرالملغى لم ينظم هذه المسألة، وتم تدارك الأمر بقانون 07.03 في مادته السادسة التي أحالت على المادتين 660 و661 من ق.ل.ع على أنه يمكن للمكتري المطالبة بالتخفيض كلما طرأت ظروف أثرت على إستعمال المحل للغرض الذي أكتر يمن أجله.

وما تجدر الإشارة إليه أن القانون الجديد في مادته الخامسة قد إستبعد بصريح العبارة الزيادة في السومة الكرائية كسبب يمكن أن يؤسس عليه الإنذار ويرد على هذه الحالة بعض الإستثناءات كما هو الشأن في المادة 12 المتعلقة بحالة الهدم وإعادة البناء والمادة 24 المتعلقة بالكراء من الباطن.
الفقرة الثالثة: المحل المستغل فيه
إن لنشأة الحق في الكراء وبالتالي الإستفادة من الحماية المقررة في القانون المنظم لعقد الكراء التجاري أن ينصب على عقار وبهذا المعنى يكون المشرع سواء في إطار الظهير الملغى وكذا القانون الجديد قد إستبعد المنقول كمحل لعقد الكراء التجاري، بالإضافة إلى إشتراطه بأن يكون العقار شيد ومبنياً قصد إستغلال الأصل التجاري سواء قبل عقد الكراء أو بعده وبمفهوم المخالفة إستبعاد كل من الأراضي البيضاء والعارية من نطاق التطبيق.

ومن جهة أخرى فإن الإستغلال التجاري للمحل قد يتطلب أكثر من مكان واحد، بل إن المكتري التاجر قد يتخذ إلى جانب مكانه الرئيسي فروعاً،23 أو ما يصطلح عليها بالمحلات التابعة والتي يجب أن تكون ضرورية للإستعمال التجاري وأن إندثارها سيؤثر لا محالة على إستغلال الأصل التجاري، وحينها يقع عبئ إثبات الضرر على المكتري.
و برجوعنا للبند الثاني من المادة الأولى المتعلقة بنطاق التطبيق نجد المشرع أشار إلى أنه في حالة تعدد المالكين فإن ضم إستغلال المحل الملحق بالمحل الأصلي يجب أن يكون بموافقة مالكي العقار الملحق والأصلي، وهذا بخلاف الظهير الملغى الذي كان يشترط علم المالك فقط، و ما يعاب على المشرع أنه لم يحدد لنا نوع الموافقة هل هي كتابية أم شفوية؟ مع العلم أنه يحث ضمن مقتضياته على شرط الكتابة حماية للطرف الضعيف وحتى تكون حجة ثابتة بين الأطراف وكذا تكريساً لما يصطلح عليه بالأمن التوثيقي.
وعليه نجد المادة أعلاه احتفظت بالحالات العامة والتي كانت ضمن نطاق تطبيق الظهير الملغى كعقود كراء ملحقات المحل التجاري السالفة الذكر وعقود كراء الأراضي العارية التي شيدت عليها بنايات بالإضافة إلى مؤسسات التعليم الخصوصي وعقود كراء العقارات أو المحلات التي تدخل في نطاق الملك الخاص للدولة أو الجماعات الترابية أو المؤسسة العمومية شريطة أن لا تكون مرصودة للمنفعة العامة.لكن المشرع في القانون الجديد وسع من مجال التطبيق على عقود كانت ولا زالت تطرح إشكالات وجدلاً فقهاً وقضاءاً ويتعلق الأمر بكل من:

أولا: العقارات أو المحلات التي تمارس فيها مؤسسات التعليم الخصوصي نشاطها
إن المشرع في الفصل الثاني من ظهير 1955 الملغى قام بتنصيص صراحة على عقود كراء الأملاك والأماكن التي تشغلها كل مؤسسة من مؤسسات التعليم، والجدير بالذكر أن هذه الصياغة جاءت عامة تشمل كل مؤسسات التعليم سواء الخاصة أو العامة، مما أثار جدلاً فقهياً وقضائياً إلا أن المشرع تدارك ذلك من خلال تنصيصه في قانون 16-49 على خضوع العقارات أو المحلات التي تمارس فيها مؤسسة التعليم الخصوصي نشاطها.
وحسن فعل المشرع بإخضاع هذه المؤسسات لمجال التطبيق خصوصاً وأنها أصبحت تتنحى عن المقاصد والأهداف التي كانت تلعبها من مقاصد تربوية وإجتماعية لتتحول إلى خدمات تهدف من ورائها الربح (المضاربة).
غير أن البعض إنتقد ذلك وقام بإعتبار التعليم الخصوصي عمل مدني وليس تجاري،24 والحال أنها تجارية بمقتضى المادة 6 و8 من مدونة تجارة مادامت تهدف من وراء تقديمها خدمة التعليم مقابل تحقيق الربح.
ثانيا: العقارات أو المحلات التي تمارس فيها التعاونيات نشاطها تجارياً
عمل المشرع من خلال قانون 16-49 على إخضاع التعاونيات ضمن نطاق تطبيقه وذلك لكونها أصبحت تتخذ شكل مقاولة بعدما كانت تقوم بأنشطة مدنية مطبوعة بالتعاون وتدار وفق القيم والمبادئ الأساسية كما حددها القانون المنظم لها.
والتعاونية عرفتها المادة الأولى من القانون رقم 12-112 25 المتعلق بالتعاونيات بأنها "هي مجموعة تتألف من أشخاص ذاتيين أو إعتباريين أو هما معاً إتفقوا أن ينضم بعضهم إلى بعض لإنشاء مقاولة تتيح لهم تلبية حاجياتهم الإقتصادية والإجتماعية".
وتجدر الإشارة أن تعاونيات تنقسم إلى ثلاث أصناف إلا أن المشرع لم يعين بشكل صريح أي صنف معني في هذا المقتضى، وبالتالي يبقى النص سارياً على كل أصناف التعاونيات لربما كانت نية المشرع تتجه نحو حماية التعاونية لما لها من دور محوري وتعاوني داخل الاقتصاد الوطني.
ثالثا: العقارات أو المحلات التي تمارس فيها المصحات والمؤسسات المماثلة لها نشاطها
والمقصود بالمصحات الواردة في الفصل 59 من قانون 131.13 26 المتعلق بمزاولة مهنة الطب بأنها كل مؤسسة صحية خاصة تهدف إلى تقديم خدمات التشخيص والعلاج للمرضى والجرحى والنساء الحوامل أو بالمخاض في إطار الإستشفاء، طوال المدة التي تستدعيها حالتهم الصحية أو تقوم بتقديم خدمات تتعلق بإعادة تأهيلهم أو المساهمة في مصلحة الإستعجالي الطبي ويدخل في إطار الإستشفاء الخدمات المقدمة في "مستشفى النهار".

أما المؤسسات المماثلة فهي مراكز تصفية الدم، ومراكز أمراض الدم السريرية ومراكز العلاج الإشعاعي، ومراكز العلاج الإشعاعي الموضعي، ومراكز العلاج الكيميائي، ومراكز القسطرة، ومراكز النقاهة أو إعادة التأهيل ومراكز الإستحمام من أجل العلاج وأي مؤسسة صحية خاصة تستقبل المرضى للإستشفاء، كما أنه تحدد بنص تنظيمي بعد إستشارة المجلس الوطني لائحة المؤسسات المماثلة للمصحة.
والملاحظ أن قانون الجديد في مادته الأولى إعتبر هذه المصحات داخلة في نطاق تطبيقه وإستبعد بالتالي المصحات العمومية التي لوزارة الصحة القرار السياسي بشأنها.
رابعا: العقارات أو المحلات التي يمارس فيها النشاط الصيدلي والمختبرات الخاصة للتحاليل البيولوجية الطبيعية وعيادات الفحص بالأشعة
بالرجوع إلى مقتضيات قانون رقم 17.04 27 بمثابة مدونة الأدوية والصيدلة نجده ينص في المادة 56 منه على أنه يقصد بالصيدلة المؤسسة الصحية المختصة بالقيام بصفة حصرية أو ثانوية بالعمليات المشار إليها في المادة 30 أعلاه.
وإذا ما رجعنا للقانون السالف الذكر في مادته 61 نجده قد نص صراحة على خضوع عقد كراء المحل الذي تقام به الصيدليات لأحكام الظهير الملغى 24 ماي 1955 المتعلق بعقود كراء الأملاك أو الأماكن المعدة للتجارة أو الصناعة، والذي أكد على أن حق التجديد من أجل إكتساب الحق في الكراء يبتدئ من تاريخ فتح الصيدلية دون مرور المدة المتطلبة في الفصل الخامس من الظهير، المتمثلة في سنتين إذا كان العقد كتابي وأربع سنوات إذا كان العقد شفوي. الأمر الذي يتعارض أيضاً مع المادة الرابعة من القانون الجديد 16-49 الذي يشترط الكتابة بعد مرور سنتين من الإنتفاع من العين المكتراة لكي يستفيد المكتري من الحق في الكراء.

وعليه يكون المشرع نحى نفس منحى الظهير المنسوخ إلا أن ما يعاب عليه أنه لم يشر إلى أي إحالة للمادة 61 من قانون الأدوية والصيدلة يستثني من خلالها محل الصيدلة من المدة الضرورية لإكتساب الحق في الإيجار وكذا الإعفاء من تقديم مبلغ مالي مقابل الحصول على هذا الحق وذلك تكريساً للحقوق المكتسبة للصيدلة وفقاً للفقرة الثانية من المادة 61 من قانون 17.04 .28

1. عبد الرحيم شميعة، "القانون التجاري الأساسي"، طبعة 2017، مطبعة سجلماسة، مكناس، ص 178.
2.عبد العزيز توفيق، "عقد الكراء التجاري في التشريع والقضاء"، دراسة تأصيلية، الطبعة الثانية، مطبعة النجاح الجديدة، الرباط، 1996، ص 89.
3.نور الدين آيتزباير، "إشكالية عقد الكراء التجاري"، مجلة الإرشاد القانوني، عدد مزدوج الرابع والخامس، يونيو 2018، ص 115.
4.قرار رقم 579/8 صادر بتاريخ 16/12/2014، أشار إليه ذ: مصطفى بونجه في كتابه الكراء التجاري بين ظهير 1955 والقانون 16-49،"دراسة عملية لمقتضيات القانون الجديد"، منشورات المركز المغربي للتحكيم ومنازعات الأعمال، الطبعة الأولى، سنة 2017، ص 34.
5. "تخضع الأكرية المبرمة خلافاً للمقتضيات الواردة في المادة الثالثة أعلاه، لهذا القانون، ويمكن للأطراف الاتفاق، في أي وقت، على إبرام عقد مطابق لمقتضياته".
6.ظهير شريف رقم 1.13.111 صادر في 15 من محرم 1435 ، 19 نوفمبر 2013 بتنفيذ القانون رقم 67.12 المتعلق بتنظيم العلاقات التعاقدية بين المكري والمكتري للمحلات المعدة للسكنى أو للإستعمال المهني، المنشور بالجريدة الرسمية عدد 6208 الصادر بتاريخ 24 محرم 1435 (28 نوفمبر 2013)، ص 7328 .
7.ظهير شريف صادر في 7 شعبان 1332 / فاتح يوليوز 1914 في شأن الأملاك العمومية بالإيالة الشريفة، المنشور بالجريدة الرسمية بتاريخ 16 شعبان 1332 عدد 62، ص 276.
8.خليل مرزوق، "قراءة نقدية في مضامين المادة 2 من نطاق تطبيق القانون 16-49"، م.س، ص 99.
9.إدريس السماحي، "القانون المدني، الحقوق العينية، ونظام التحفيظ العقاري"،الطبعة الأولى، سنة 2003، ص 18.
10.لا حق للمكتري في: إكتساب الحق في الكراء على المحلات الموقوفة والمخصصة للإستعمال التجاري أو الحرفي.
11.لا تطبق على عقد الإئتمان الإيجاري العقاري مقتضيات الظهير الشريف المؤرخ في 2 شوال 1374. 24 ماي 1955 المتعلق بأكرية المحلات المعدة للتجارة أو الصناعة والحرف.
12.سارة درميش، "نطاق تطبيق قانون 16-49 المتعلق بكراء العقارات أو المحلات المخصصة للاستعمال التجاري أو الصناعي أو الحرفي"، م.م.م، عدد 157 يناير – فبراير 2018، ص 84.
13.قرار محكمة الإستئناف التجارية بمراكش رقم 16 صدر بتاريخ 08ـــ 1ـــ 15 رقمه بمحكمة الاستئناف التجارية 2007ـــ 7ـــ 797، أورده مصطفى بونجه، م.س، ص 23 و24.
14.أمال المنيعي، "مدى خضوع كراء المحلات الكائنة بالمراكز التجارية لظهير 24 ماي 1955"، م.ق.ق، عدد 164، سنة 2014، ص 30.
15.مصطفى بونجه، م.س، ص 26-27.
16.الفصل 627 من ق.ل.ع.
17.حكم صادر عن المحكمة التجارية بمراكش بتاريخ 16-03-2017 في الملف عدد 1649-8206-2016.
18.المادة 61 من القانون 17.04 بمثابة مدونة الأدوية والصيدلة "يخضع كراء المحلات التي تقام بها الصيدليات لأحكام الظهير ...".
19.عبد الرحيم شميعة، "قراءة في المبادئ الموجهة لقانون الكراء التجاري الجديد"، أشغال ندوة وطنية بكلية العلوم القانونية والإقتصادية والإجتماعية مكناس، بتاريخ 09 دجنبر 2016.
20.العربي محمد مياد، "مراجعة الوجيبة الكرائية للمحلات السكنية على ضوء التشريع والقضاء"، الطبعة الأولى، دار القلم، 2008، ص 17.
21.أحمد عاصم، "الحماية القانونية السكنية والمهنية"، الطبعة الأولى، مطبعة دار النشر المغربية،1996، ص 234.
22.ظهير شريف رقم 1.07.134 الصادر بتاريخ 30 نونبر 2007، الجريدة الرسمية عدد 5580 بتاريخ 2 ذو الحجة 1428 (13 ديسمبر 2007)، ص 4061 .
23.المصطفى العضراوي، "الحق في الكراء عنصر في الأصل التجاري"، رسالة لإستكمال دبلوم الدراسات العليا، كلية العلوم القانونية والإقتصاديةوالإجتماعية – أكدال – الرباط، السنة الجامعية 2001-2002، ص 40.
24.عمر أزوكار، "قراءة في قانون 16-49 المتعلق بكراء العقارات أو المحلات المخصصة للاستعمال التجاري أو الصناعي أو الحرفي"، ندوة منظمة من طرف محكمة الاستئناف بخريبكة بتاريخ 09/03/2017. (غير منشور).
25.ظهير شريف رقم 1.14.189 صادر في 27 من محرم 1436 (21 نوفمبر 2014) بتنفيذ القانون رقم 112.12 المتعلق بالتعاونيات، الجريدة الرسمية، عدد 6318 بتاريخ 25 صفر 1436 (18 ديسمبر 2012) ص 8481.
26.ظهير شريف رقم 1.15.26 صادر في 29 من ربيع الآخر 1436 (19 فبراير 2015) بتنفيذ القانون رقم 131.13 المتعلق بمزاولة مهنة الطب، الجريدة الرسمية عدد 6342 الصادرة بتاريخ 21 جمادى الأولى 1436 (12 مارس 2015) ص 1619.
27.ظهير شريف رقم 151.06.1، صادر في 30 من شوال 1427 22 نوفمبر 2006، بتنفيذ القانون رقم 17-04 بمثابة الأدوية والصيدلة، بالجريدة الرسمية عدد 5480ـــــ 15 ذو القعدة 1427 (7 ديسمبر 2006)، ص 3734.
28.عثمان بنمنصور، "عقد الكراء التجاري وإشكالية اكتساب الملكية التجارية"، م.م.م،عدد 154 شتنبر/أكتوبر 2016، ص 75.