اﻟﻤﺴﺘﺠﺪاﺕ

المسؤولية المهنية للقاضي على ضوء التشريع الوطني و المقارن

ياسين بنقدور - باحث بماستر القانون و الممارسة القضائية بالرباط - التنظيم القضائي 0000-00-00 790

تمثل المسؤولية القضائية احدى المسائل الحاسمة التي تطرح للنقاش ، وذلك لما يشكله موضوع هذه المسؤولية من أهمية بالنسبة للنظام القانوني و الجهاز القضائي ، بالإضافة للقاضي و المحكمة . فموضوع

المسؤولية القضائية يمثل من ناحية شأنا مؤسسيا يتعلق بالجهاز القضائي و الوظيفة المؤسسية التي يضطلع بها ، و من ناحية أخرى شأنا فرديا يتعلق بممارسة القاضي لوظيفته القضائية .
أن محاولة التعرض لهذا الموضوع تكتسي أهمية بالغة تنبع من عدة اعتبارات أهمها :
أولا : الاهمية المتزايدة التي صار يكتسيها القضاء المغربي ، و الذي أضحى حديث المجتمع ، كما ثم التركيز عليه من طرف الدستور المغربي الذي خصص عدة فصول للحديث عن القضاء . وهذه الاهمية تتجلى في عدة مناحي ، اذ خصص صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله عدة خطب كاملة للحديث على الاهمية التي يحتلها القضاء باعتباره عماد دولة الحق و القانون ، وأساس التنمية المستدامة و تشجيع الاستثمار ، وفي هذا يقول صاحب الجلالة دام له النصر و التأييد في خطاب 20 غشت 2009 " اننا نعتبر القضاء عمادا لما نحرص عليه من المساواة المواطنين أمام القانون ، وملاذا للإنصاف الموطد للاستقرار الاجتماعي بل ان قوة شرعية الدولة نفسها و حرمة مؤسساتها من قوة العدل الذي هو أساس الملك "

ثانيا : ورش اصلاح القضاء الذي انخرط فيه المجتمع ، فمنذ تقرير البنك الدولي لسنة 1995 حول المغرب و الذي أشار للقضاء ، و الجميع متفق على ضرورة اصلاح القضاء و هو الخطاب الذي يتفق عليه الجميع ، وكان موضوع خطاب كامل لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله في 20 غشت 2009 الذي حدد مكامن الخلل و برنامج الاصلاح .
ثالثا : محاولة جمع شتات أراء متعددة في الميدان ، فإذا كانت فعاليات المجتمع المدني و الاحزاب و المنظمات تثير غير ما مرة المشاكل التي تنخر الجسم القضائي ، وأصبحت المجلات تعمد في كثير من الاحيان الى التشهير بالقضاء و القضاة فان القضاة أصبحوا يشعرون بأنهم عرضة لهجوم شرس و احيانا غير مبرر ، وأنهم في الكثير من الاحيان عرضة لسوء الفهم من طرف المجتمع ، وهذا سوء الفهم يزيد من تعميق أزمة الثقة القائمة بين القضاء بجميع مكوناته و فعاليات المجتمع بكل تمظهراتها .
وفي خضم كل هذه الاشكاليات يثار موضوع مسؤولية القاضي سواء تعلق الامر بالمسؤولية الجنائية أو التأديبية أو المدنية .
ويمكن القول أن أساس مسؤولية القاضي هي السلطة التي يتمتع بها ، اذ في الديمقراطيات الحديثة لا توجد سلطة دون مسؤولية و محاسبة و قد ربط الدستور المغربي ممارسة السلطة بالمحاسبة و تحمل المسؤولية .
اولا : المسؤولية المهنية للقاضي في التشريع الوطني
1- المسؤولية الجنائية للقاضي
ان الحديث عن المسؤولية الجنائية للقاضي تفرض علينا التميز بين امرين اثنين : الجانب المسطري و الموضوعي
فمن الناحية الموضوعية _ لا تختلف المسؤولية الجنائية للقاضي عن باقي افراد المجتمع فهي نفس المسؤولية ونفس الجزاء اذ يعتبر القاضي مسؤولا جنائيا عن كل الجرائم التي يثبت ارتكابها من طرفه و الجاري بها العمل طبقا لنصوص التشريع الجنائي المغربي .
اللهم اذا تعلق الامر ببعض الجرائم التي ينفرد بها القضاة عن باقي افراد المجتمع ويتعلق الامر هنا بجريمة انكار العدالة و التي نص عليها الفصل 240 من مجموعة القانون الجنائي و الذي جاء فيه : كل قاض أو موظف عمومي ، له اختصاصات قضائية امتنع عن الفصل بين الخصوم لأي سبب كان ، ولو تعلل بسكوت القانون أو غموضه ، وصمم على الامتناع بعد الطلب القانوني الذي قدم اليه ورغم الامر الصادر اليه من رؤسائه ، يمكن أن يتابع ويحكم عليه بالغرامة من مائتين و خمسين الى ألفين و خمسمائة درهم على الاكثر وبالحرمان من تولي الوظائف العمومية من سنة الى عشر سنوات " وهو نفس التوجه الذي كرسه المشرع الفرنسي في المادة 1-7-343 من مدونة القانون الجنائي الفرنسي :

le fait par un magistrat ou toute autre personne siégeant dans une formation " juridictionnelle ou toute autorité administrative de dénier de rendre la justice parés avoir été requis et de persévérer dans son déni après avertissement ou injonction de ses suprieurs est puni de 7500 euros d amende et de l interdiction de l exercice des fonctions publiques pour une durée de cinq à vingt ans "
وهناك جرائم أخرى تخص القضاة وغيرهم من الموظفين كاستغلال النفوذ و الارتشاء ( الفصول من 248 الى 256 من مجموعة القانون الجنائي ) و ايضا جرائم الاختلاس و الغدر المنصوص عليها في ( الفصول من 241 الى 247 بإدخال الغاية من القانون الجنائي )
اما فيما يخص بالجانب الاجرائي للمسؤولية الجنائية للقاضي فهي تخضع لقواعد الاختصاص الاستثنائية و يصطلح على هذه الاجراءات تسمية " الامتياز القضائي " وهي قواعد تضمن محاكمة عادلة للقاضي المنسوب اليه ارتكاب جريمة معينة و قد ورد النص على هذه الاجراءات في المواد 265 و 266 و 267 من قانون المسطرة الجنائية .
2- المسؤولية المدنية للقاضي
صدر قرار للمجلس الأعلى بغرفتين تحت رقم 248 بتاريخ 29/07/1991 جاء فيه إن قاضي الحكم لا يتحمل أي مسؤولية عن الأحكام التي يصدرها ولو ارتكب خطأ في تأويل وتطبيق القانون أو تحريف، وباستقراء هذا الاجتهاد القضائي يتبين لنا بالواضح أن القاضي لا يتحمل أي مسؤولية عن الاحكام التي يصدرها تطبيقا للقاعدة القائلة " أن الحكم مطابق للحقيقة " وفي مقابل ذلك يكون هناك مجال لمسائلة القاضي مدنيا اذا ارتكب غشا أو تدليسا أثناء النظر في الدعوى ويكون المشرع بهذا التوجه قد أقر مبدأ المسؤولية المدنية الشخصية للقاضي عن الأخطاء التي يمكن أن يرتكبها أثناء قيامه بأداء مهام وظيفته غير أنه قصرها على الحالات التي يكون فيها القاضي محلا للمخاصمة و قد تم النص على حالات المخاصمة في 391 من قانون المسطرة المدنية .
اما بخصوص الجهة المسؤولة عن خطأ القاضي فهي الدولة التي تحل محل القاضي في أداء التعويض و لا يمكن أن يتحقق ذلك إلا بتوجيه دعوى ضد الدولة وفي هذا الصدد ينص الامر الصادر بتاريخ 22 دجنبر 1958 بمثابة نظام القضاء بفرنسا بأن " القضاة غير مسؤولين إلا عن أخطائهم الشخصية "
les magistrats ne sont responsables que de leur faute personnelle " "
ومن المفيد الاشارة أن مسؤولية الدولة عن اعمال موظفيها حتى تتحقق يلزم توفر عناصر هذه المسؤولية و المتمثلة في الخطأ و الضرر و العلاقة السببية بينهما .
ويشترط في الخطأ الذي يرتكبه القاضي أن يكون على قدر معين من الجسامة و الخطورة و هذا يعني أن هذه المسؤولية لا يمكن أن تثار إلا في حالة الخطأ الفادح أو إنكار العدالة :
cette responsabilité n'est engagée que par une faute lourde ou un déni de justice
وهكذا فمتى استجمعت المسؤولية الادارية شروطها فان الدولة هي التي تقوم مقام القاضي في التعويض و يجد هذا الامر سنده في الفصل 122 من الدستور المغربي و الذي جاء فيه : يحق لكل متضرر من خطأ قضائي الحصول على تعويض تتحمله الدولة وبالتالي يمكن القول إن الخطأ المهني الجسيم للقاضي في إطار المسؤولية المدنية يمكن أن يترتب عنه التعويض لفائدة الطرف المضرور مع إحلال الدولة محل القاضي لجبر الضرر .
3- المسؤولية التأديبية للقاضي
لقيام المسؤولية التأديبية للقاضي لا بد من توفر عنصر الخطأ وقد نص الفصل 96 من النظام الأساسي للقضاة على أن كل إخلال من القاضي بواجباته المهنية أو بالشرف أو الوقار أو الكرامة خطأ من شانه أن يكون محل عقوبة تأديبية .
أما المادة 97 من النظام الاساسي للقضاة فقد نصت على الافعال التي تشكل خطأ جسيم و تبرر توقيف القاضي عن عمله وتتحدد هذه الاخطاء في :
- الخرق الخطير لقاعدة مسطرية تشكل ضمانة أساسية لحقوق وحريات الاطراف .
- لخرق الخطير لقانون الموضوع .
- الاهمال أو التأخير غير المبرر و المتكرر في بدء أو انجاز مسطرة الحكم أو في القضايا أثناء ممارسته لمهامه القضائية .
- خرق السر المهني و افشاء سر المداولات .
- الامتناع العمدي عن التجريح التلقائي في الحالات المنصوص عليها في القانون .
- الامتناع عن العمل المدبر بصفة جماعية .
- وقف أو عرقلة عقد الجلسات أو السير العادي للمحاكم .
- اتخاذ موقف سياسي
- ممارسة نشاط سياسي أو نقابي أو الانتماء الى حزب سياسي أو نقابة مهنية .
وقد جاء النظام الداخلي للمجلس الاعلى للقضاة ليعيد نفس المقتضيات و أضاف أن تقدير الخطأ المهني موكول لقناعة المجلس كما ورد في الفصل 62 من النظام الاساسي لرجال القضاء أنه في حالة ارتكاب القاضي خطأ جنائيا أو خطأ خطيرا أمكن توقيفه حالا من طرف وزير العدل بقرار مدة مفعوله أربعة أشهر قابلة للتجديد .
ومن خلال استقراء هذه المواد نلاحظ أن المشرع المغربي يميز بين ثلاثة حالات للخطأ التأديبي المستوجب للعقاب :
1- مخالفات واجبات الوقار أو الشرف أو الكرامة أو الواجبات السلوكية و اذا كان المشرع المغربي سكت عن تحديد هذه المفاهيم فانه يمكن الاستئناس بمدونة القيم القضائية لتحديدها و مثل هذه المفاهيم عامة و نسبية ويتطور مفهومها حسب الزمن و المكان .
2- الاخطاء التي تكتسي طابع الفعل الجرمي و التي يتساوى فيها القاضي مع سائر المواطنين ، فضلا عن الافعال التي لا يتصور ارتكابها إلا من طرف القضاة كإنكار العدالة او الاعتقال التعسفي .
3- الاخطاء المهنية وهذه لم يحددها المشرع المغربي مثلها مثل الخطأ الخطير ، وترك أمر تقديرها لقناعة المجلس ، وقد حاول مشروع النظام الاساسي لرجال القضاء تحديد هذه الاخطاء المهنية حيث ميز فيها بين الاخطاء المهنية الاكثر جسامة و الاخطاء المهنية الجسيمة وغير الجسيمة كما حدد العقوبات المخصصة لكل واحدة منها .
ثانيا : المسؤولية المهنية للقاضي في التشريع المقارن
في التشريع الفرنسي يمكن أن تثار المسؤولية المهنية للقاضي في حالات الاخلال بواجباته المهنية - الشرف - الوقار - أو الكرامة .
وتتميز المسؤولية المهنية للقاضي في التشريع الفرنسي حسب رأي استاذنا محمد الادريسي بخاصية أساسية ووحيدة في الوظيفة العمومية بفرنسا ، وهي الامكانية المتاحة للمواطنين في التشكي مباشرة أمام المجلس الاعلى للقضاء كهيئة تأديبية . وهذه الخاصية لا ينفرد بها التشريع الفرنسي فقط بل نجدها في كل التشريعات الديمقراطية العريقة وهكذا ففي المجلس الكندي للقضاء هناك وجود لهذه الضمانة بحيث اذا ارتكب قاضي فيدرالي خطأ في التوجيه يمكن لك من له مصلحة ايداع شكوى أمام المجلس الكندي للقضاء :
" il ya une distinction importante à faire entre la conduite personnelle d'un juge à l intérieur ou à l extérieur de la salle d audience et la décision que rend un juge dans un litige si juge de nomination fédérale a commis un écart de conduite … "
وفي الولايات المتحدة الامريكية فان المؤاخذات على عدم ادارة الدعوى هي الوحيدة التي يمكن أن تكون موضوع تشكي ضد القاضي الفيدرالي ، فكلمة " ادارة أو بالانجليزية administration تعني المؤاخذات المتعلقة باحترام المسطرة والسلوك وتستبعد مضمون القرار في حد ذاته . وهكذا جاء في المادة المذكورة من القانون الفيدرالي الامريكي بأنها وحدها التي يمكن أن تكون محلا للشكايات ضد القاضي الفيدرالي الادعاءات المتعلقة بالإخلال بالقواعد الاساسية لإدارة الدعوى .
وإذا كان الحل المختار من طرف القاضي للنزاع لا يمكن أن يكون محل مساءلة أو موضوع عقاب ، فانه مع ذلك يمكن مؤاخذة القاضي عن الظروف المصاحبة لصدور القرار : وهكذا يمكن اثارة المسؤولية التأديبية للقاضي عند ارتكابه خطأ أثناء البت في القضية ، و المتمثلة أساسا في التأخرات غير المبررة ، و فقدان وثائق أو عدم احترام السر المهني . وهكذا فان 70% من العقوبات الصادرة عن المجلس الاعلى للقضاء في فرنسا ناتجة عن مثل هذه الاخطاء .