اﻟﻤﺴﺘﺠﺪاﺕ

مشاريع العقلانية العربية ,اهتدت اخيرا لمرسى البراغماتية

Wpfreeware 6:49 AM Technology


برحيل المفكر السوري الطيب التيزيني ,خلال اليومين الاخيرين عن عمر ناهز 85 سنة ,يعود النقاش مجددا حول الصراع على زعامة الماركسية العربية بالمنطقة العربية الاسلامية ,ودورها في تحقيق الوجود العربي المامول موضوع الماركسية العربية وموقع العقلانية ,ظل على الدوام هما شاغلا للاوساط البيروقراطية الجامعية العربية العروي دعا للتاريخانية وفكك الايديولوجية العربية المعاصرة ,من خلال النماذج التي اختارها ,من قبيل سلامة موسى وعلال الفاسي والطهطاوي ,وركز على انهم دعاة مرة للتقليد السلفي الطامح لاعادة الماضي الذهبي المتصور في الاذهان ,وبين دعاة الحداثة والتقدم
الجابري هو الاخر الى جانب امين العالم واخرين شكلوا جبهة القيادة العليا للجامعيين العرب ,لانه في ذلك الوقت لاتزال الولاءات الايديولوجية تسمح باكتساب والحصول على الشواهد العليا وفق منظور الشيخ والمريد
قبل ان تنتقل البيروقراطيات الجامعية لاتجاه بناء العلاقات ,على المصاهرات وسوى ذلك من الامور المعروفة بالمجال , حيث اصبحت الانتفاعيات هي العملة المتداولة لدى الكل
بالاجمال ,اذن باعتبار الجابري رجل يؤمن بالتكثل والكثلوية لافي السياسة فحسب,حيث رفع شعار الكثلة التاريخية ,ولافي المسار الاكاديمي حيث استطاع ان يتكثل مع زملائه الاكاديميين ,لتعميم مشاريعهم الفكرية وطرحها كبديل لبناء نموذج الميجي الياباني ,أي التقدم من عمق ثقافة الامبراطور بكل حمولاتها الكلاسيكية
بتعبير اكثر وضوحا بالنسبة للذين يحبون الاختصار ,ان هؤلاء المفكرين بعدما تتبثوا من حقيقة الواقع السبئي المضري والذي مر بالمطبخ الاندلسي لمدة ثمانية قرون ,سكنتهم الانتفاعية البراغماتية ,لاكتساب الحداثة التكنولوجية ومواكبة الاخر اما الحداثة المجتمعية فان التباث الستاتيكي الانتروبولوجي الحامي والسامي ,لم ولن يسمح بها ,وكل متبحر في مجالها مجرد مضيع لوقته ووقت غيره
الجابري اذن استطاع ان يكون منتوج مغربي صرف ,وصالح كل اوساط الحكم مغربيا ,اكانت كنونية اوزيرية اوزبيرية ,فكان في غنى عن التنقل للجامعات الاجنبية للحصول على الدكتوراة,مع انه دائم التسفارات جهة الملتقيات الثقافية الجابري اشتغل على موضوعي ابن خلدون وابن رشد ,وخصص لكلاهما اطاريح كبرى الى هنا كل شيئ بالنسبة للجابري على مايرام ,خاصة وانه قطع كل المراحل كمدرس بيروقراطي من معلم لاستاذ الثانوي واخيرا انتهى كاستاذ جامعي ,وهذا المسار كان لزوميا في عهده وعهد اجياله ,فلم يمن عليه اذن احد بشيئ ,بل قطع كل المراحل ,بل ظل يؤكد على الدوام انه امازيغي فكيكي, لغاية 11 سنة لم يعرف غير الامازيغية الفكيكية الشرقية الجابري لتطوير مساره الفكري بدا كغيره يفكر في الثورات الفكرية والعقلانية ,ودور الانتلجنسيا في تحديث المجتمع ,ومن هنا اطلق مشروعه العقلاني ,الخاص بببنية وتكوين العقل العربي العملي والخالص على طريقة كانط ,وبحث ايضا في العقل السياسي والقيم على طريقة ريجيس دوبريه وميشيل فوكو,وقد شجعه على هذا نجاح البرامج التعلميمية التي طرحها في مجال الفلسفة بالاخص القطائع الابستمولوجية الباشلارية ,حيث تاكد له جليا ,ان الحداثة التقنية لايعاديها احد ,بل هي المبتغى المنشود حينما طرح الجابري افكاره حول العرفانية والبرهانية والبيانية التي تسكن العقل العربي ,وعقد مقارنة بين العقل اليوناني والعربي ,من خلال المعيارية ,سطر بان العقل العربي هو عقل معياري يبني منظوره على القبيح والحسن ,وسياسيا هو مفتاح لصوص اوبوليس يصلح لكل شيئ ولاشيئ ,كانه يسطر المبدا القراني, ام على قلوب اقفالها؟ ,فالاقفال هو بديل الاعقال طرح الجابري زكاه برهان غليون في اطروحته حول اغتيال العقل ,حيث تقاسم مع الجابري نفس المنظور ,مشيرا الى ان العقل العربي هو عقل سيكولاستيكي معياري يجتزئ ما يشاء وقتما شاء ,وهنا يكون الجابري قد تناغم مع العديد من زملائه الاكاديميين العرب بمختلف الاوساط الثقافية ,فمشروعه لقي اقبالا حتى من الاوساط السعودية التي اغدقت على الجابري كل التسهيلات ,حتى ابان مرضه كما حكى في لقاء اخير له قبل الوفاة بقناة العربية
لكن بالمقابل كما قلت كان هناك ميثاق مبدئي في جعل الامور في حدود اكتساب الحداثة التكنولوجية ,والابتعاد عن نصوص النصوص ومواجع الحداثة المجتمعية ,التي من شانها التاثير على صيرورة المجتمعات ,المبنية على الزواج والمصاهرات, واستهلاك الجسد في طراوته بين الاثناعشر والتلاثين سنة ,وبعدها لكل حادث حديث ,امور لايجادل فيها احد ومتفق عليها ,وهكذا تمضي الامور
كما ان الجابري وغليون فطنا سويا لاهمية اشكالية الهوية ,فاعتمدا منظورا توافقيا يقول بزواج العروبة والاسلام ,وبذلك يكونان كما غيرهما قد رسما منظورا هوياتيا متفق عليه ,ويزاوج بين الجامعة العربية ومنظمة الدولة الاسلامية
ظهور المفكرالسوري الراحل التيزيني المفاجئ في سماء الجابري ومشروعه ,ركب فيه صهوة العتاب اثر التقليل من عقلانية الجاحظ صاحب كتاب البيان والتبيين , من خلال القول بان العقل العربي بياني ,وانتج اثر ذلك كتابه ,من الاستشراق الغربي الى الاستغراب المغربي للجابري
دراسة اعتبرها بحثا لتناول الجابري للفكر العربي والافاق التاريخية لتجربته ,فطرح التيزيني مركز اذن على النقطتين التيزيني يرى في هزيمة 67 وكذلك ظهور الطفرة النفطية ,عاملين مشجعان على تحلل القيم المتاصلة القديمة وحلول التسري والميوعة محلهما ,فالتيزيني يفضل الحفاظ على التراث العشيري, عوض اكتساب نقائض لاتشكل بديلا مامولا التيزيني راى في تناقض مجتمع هزيمة 67 والطفرة النفطية ,انتاج طبقي لاغنياء البنية العليا والسفلى ,والاثنين معا سيعيشون اما في هدنة او ترويض او توازن وتناقض متصارع
هذه الحقيقة التي جسدها التيزيني صارت راشحة هذه الايام ,بين بيروقراطيي الداخل ومهاجري الخارج ,مع ما راكماه من امتيازات الخدومية للامبريالية المراكمة للمصالح والثروات ,وبين بقية المهمشين الضائعين والذين يشتكون من معضلة البطالة الشاملة ,حيث يكتفون في العمل ببعض اللقطات والبريكولاج المازوم ,بينما البقية المشار اليها فرغم عطالتها المرفقية والوظيفية ,فان الخير عليها منهمر
دون مضيعة وقت كثير على القراء ,يناسب التبكير بالاشارة الى مجهود طه احسين في تحليل النموذج العمري ,فحينما نتوقف عند تدفق الاموال على الخلفاء من الامصار ,كان عمر يسال اباهريرة بماذا جئت ؟ولم يسئله في ظل اية ظروف جئت بتلك الاموال ؟ما يعني ان العدالة الاجتماعية والمجالية كانت دوما مصادرة لفائدة مركز معين ,طورا الحجاز وطورا بغداد وطورا الباب العالي التركماني , وطورا اوربا وامريكا واسرائيل كما يحدث الان
الماضي والحاضر يكرران مركزيتهما وخدمهما ,هذه هي الحقيقة التي لن تجدها عند الاكاديميين لانهم خدم بيروقراطي يعتاشون على الريع الجامعي ,لذلك صارت الثقافة عند كثيرين محض تسلية لاتقدم ولاتؤخر شيئا
قضية المناصب والشواهد الجامعية وريع الوظيفة والهجرة ,اصبحت الان تاخذ مسارات انتفاعية بحثة ,ولم تعد رهينة الولاءات الايديولوجية وغيرها ,الازمنة التي نواجهها اليوم بمشاكلها المعقدة ,تجعل من الجابري والتيزيني وغيرهم مجرد تاريخ ,لموظفين اكاديميين شغلوا ازمنتهم ,لكن اثرهم على المستقبل يتحدد من خلال تشربهم لانتفاعيات بني اوطانهم ,وهو الامر الذي وفق فيه الجابري وغليون حيث فكرا من بوابة العقلانية في تاسيس براغماتية عربية جديدة

طيرا الحنفي